تحرير عبد الله المصرى على الثلاثاء، 17 حزيران/يونيو 2025
فئة: مدونات عربية

إيران وإسرائيل صراع مشروع أم صراع نفوذ؟

الصراع بين إيران وإسرائيل ليس مجرد صراع سياسي أو حدودي، بل هو تجلي لمشروع ديني طائفي ضخم توظف فيه إيران أدواتها العسكرية والإعلامية والعقائدية تحت مظلة "تحرير القدس"، بينما يتحرك هذا المشروع ضمن إطار أوسع: وهو التمكين للمذهب الإثني عشري وبسط النفوذ الفارسي في ثوب الثورة الإسلامية.

كما يشير الباحث فالي نصر في كتابه "صحوة الشيعة" إلى أن "الثورة الإيرانية لم تكن مجرد تحول سياسي، بل كانت محاولة لتحويل إيران إلى مركز عالمي للتشيع الإثني عشري، مع توظيف الدين كأداة لنشر النفوذ". (Nasr, 2007, ص. 123).

شرارة من الماضي القريب: الهجوم على القنصلية الإيرانية (أبريل 2024)

في أبريل 2024، قصفت إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق، وهي منطقة تُعتبر جزءًا من النفوذ الإيراني المُترسخ في سوريا منذ بداية الحرب الأهلية عام 2011. هذا الهجوم أدى إلى مقتل عدد من كبار قادة "فيلق القدس"، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، بينهم "محمد رضا زاهدي"، أحد أبرز مهندسي المشروع الإيراني في سوريا ولبنان.

جاء الرد الإيراني غير مسبوق: مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية انطلقت من أراضي إيران لأول مرة مباشرة نحو الأراضي المحتلة. ورغم أن منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بمساعدة أمريكية وبريطانية وأردنية، أسقطت معظمها، فإن الضربة الإيرانية أرادت أن تقول: "أنا الطرف الذي يملك قرار الحرب والمواجهة، حتى مع إسرائيل".

لكن هل المسألة فقط ردع وانتقام؟ الجواب: لا. هناك مشروع عقائدي كبير يفسر هذه الجرأة، ويشرح لماذا تضرب إيران بينما غيرها لا يفعل؟!

مشروع إيران العقائدي

١. عقيدة التمهيد لظهور المهدي

يعتقد الشيعة الإمامية الإثنا عشرية أن المهدي المنتظر غائب في سرداب سامراء منذ عام 260 هـ.

ويرى أئمتهم ومراجعهم، وعلى رأسهم الخميني والخامنئي، أن "الولي الفقيه" في زمن الغيبة هو النائب العام عن الإمام المعصوم، ويجب على الأمة طاعته كما يُطاع المهدي نفسه.

وفق هذا التصور، فإن نشر التشيع، وتطهير المنطقة من "النواصب" (المقصود بهم غالبًا أهل السنة)، والصدام مع قوى "الاستكبار العالمي" (أمريكا، إسرائيل)، كلها خطوات تمهيدية لظهور الإمام الغائب.

> يقول علي خامنئي: "إن الجمهورية الإسلامية ليست هدفًا، بل وسيلة لتمهيد الأرض لظهور الإمام المهدي".
(خطبة الجمعة، طهران، 1990، منشورة في صحيفة كيهان، العدد 1234).

وترى دراسة صادرة عن مركز الأبحاث الأمريكي "راند كوربوريشن" أن "الهيكلية الدينية في إيران تجعل من ظهور المهدي هدفًا استراتيجيًا للدولة، وليس مجرد اعتقاد فكري"، مؤكدة أن "الحركات المرتبطة بإيران في المنطقة تعمل ضمن إطار تمهيدي لبناء جيش المهدي المتوقع". (Rand Corporation, 2022, ص. 45).

إسرائيل في العقيدة الإيرانية

٢. العدو المركزي في المشروع المهدوي

تعتبر إيران أن معركتها مع إسرائيل ليست فقط سياسية، بل "دينية مهدوية"؛ إذ يرون في إسرائيل "رأس الفساد العالمي"، ويمزجون بين المعركة معها والمعركة مع الغرب عمومًا، لتبرير مشروعات التوسع والتدخل الإقليمي. لكنهم لا يرون أن تحرير القدس يجب أن يكون على يد الأمة الإسلامية كلها، بل يرونه جزءًا من مهام "جيش المهدي" الذي يُعتقد أن الحرس الثوري يمهد لقيادته.

> يقول حسين شريعتمداري، مستشار خامنئي: "نحن نُعدّ لظهور الإمام، وحين يظهر سيكون جيشه قد بدأ مهمته في القدس".

وتؤكد دراسة من جامعة "ستانفورد" أن "الخطاب الإيراني حول إسرائيل يتجاوز السياسة التقليدية، ويتغلغل في العمق العقائدي، حيث تُستخدم اللغة الدينية لتعبئة الجمهور الداخلي ودعم التدخلات الخارجية باسم الإسلام". (Stanford University, 2021, ص. 78).

---

شعار "القدس لنا"... ولكن بأي ثمن؟

٣. استخدام القضية الفلسطينية كأداة توسعية

منذ الثورة الخمينية، حرصت إيران على إقامة "يوم القدس العالمي" في الجمعة الأخيرة من رمضان كل عام.

هذا الشعار يُستخدم في تعبئة الشارع الشيعي العربي وغير العربي تحت لافتة "نصرة فلسطين"، لكن الحقيقة أن القضية تُستخدم كوسيلة لبسط النفوذ، لا كنهاية في ذاتها.

لم تُوجَّه طلقة واحدة من إيران لتحرير القدس، لكن نُظمت المليشيات، وقُدّمت الأموال والسلاح من أجل السيطرة على بغداد، ودمشق، وصنعاء، وبيروت.

وتقول باحثة من "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن: "لا تتعرض إيران لمخاطر مباشرة في مواجهة إسرائيل، لكنها تستثمر في تأجيج الصراع عبر وكلائها في لبنان (حزب الله)، والعراق (الحشد الشعبي)، واليمن (الحوثي)، مما يعزز نفوذها دون تحمل تكلفة الحرب المباشرة". (Middle East Institute, 2023, ص. 33).

أدوات إيران في تنفيذ المشروع

٤. الحرس الثوري وفيلق القدس

"الحرس الثوري" أُنشئ ليس لحماية حدود إيران، بل لحماية "الثورة الإسلامية" وتصديرها.

"فيلق القدس"، بقيادة قاسم سليماني سابقًا، هو الذراع المسؤول عن تنفيذ المشروع الإيراني خارج الحدود، وتحديدًا في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن.

كل هذا يجري باسم "نصرة المستضعفين"، لكن على الأرض نجد آلاف المساجد السنية مدمرة في العراق وسوريا، وقتل طائفي في الأنبار، وتعذيب للعلماء في الأحواز.

ويشير تقرير لمركز "تشاتام هاوس" البريطاني إلى أن "الحرس الثوري يلعب دورًا محوريًا في تصدير الثورة الإيرانية، سواء عبر التمويل أو التدريب أو التنسيق العسكري، وهو يُعتبر العمود الفقري للشبكة الطائفية التي تمتد من طهران إلى بيروت". (Chatham House, 2020, ص. 61).

الخطاب الإعلامي العقائدي

٥. إعادة تعريف الإسلام في قالب شيعي

تُنفق إيران مئات الملايين سنويًا على فضائيات مثل "العالم"، "المنار"، "الميادين"، وغيرها، وكلها تروّج لفكرة أن إيران وحدها من يتصدى لإسرائيل، بينما الأنظمة الأخرى عميلة أو متواطئة.

تُعاد صياغة مفاهيم الإسلام في خطابها: فتُختزل المقاومة في حزب الله، والولاية في خامنئي، والجهاد في "التشيع السياسي"، ولا مكان لأهل السنة إلا كمؤيدين أو خصوم.

وتوضح دراسة من "مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي" أن "الخطاب الإعلامي الإيراني يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الإسلامية في المنطقة بما يخدم النموذج الإيراني، وهو ما يخلق انقسامات طائفية عميقة تُستخدم لتوسيع النفوذ الإيراني تحت ستار الدين". (*Carnegie Endowment, 2022, ص. 22*).

هل إيران فعلاً تريد تدمير إسرائيل؟

٦. بين الخطاب والواقع

هنا يجب أن نفرق بين:

- الشعار السياسي والإعلامي: "الموت لإسرائيل"، "سنمحو تل أبيب"، "القدس لنا".
- والواقع العملي والعسكري: عشرات التحذيرات والتنسيقات غير المعلنة، وتجنب الحرب المباشرة، وتبادل الرسائل غير المباشرة عبر وسطاء، من بينهم الأوروبيون والروس أحيانًا.

> يقول الباحث الأمريكي تريتا بارسي في كتابه "تحالف غادر": "إيران لا تسعى لتدمير إسرائيل، بل تسعى لاستخدام وجودها كعدو خارجي لتبرير تدخلها الإقليمي واستمرار نظامها داخليًا". (Barth, 2012).

وتؤكّد دراسة من "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" أن "إيران تستخدم لهجة عدائية ضد إسرائيل لتعبئة الداخل وتعزيز الشرعية الثورية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب التصعيد الكامل الذي قد يُضر بمصالحها الاستراتيجية". (Washington Institute, 2023, ص. 102).

صراع عقيدة أم استراتيجي ؟

الصراع الإيراني-الإسرائيلي ليس صراعًا تقليديًا بين دولتين، بل هو تجلي لمشروع عقائدي إيراني يوظف الدين كأداة لنشر النفوذ تحت ستار "تحرير القدس". بينما تُستخدم اللغة المهدوية لإضفاء الشرعية على التدخلات، فإن الواقع يُظهر أن إيران تسعى إلى تحقيق مصالح سياسية ومذهبية، لا إلى تحرير الأرض أو توحيد الأمة.
هذا التناقض بين الخطاب والفعل هو ما يجعل الصراع معقدًا ومفتوحًا على مخاطر مستقبلية.

---

قائمة المراجع

Ansari, A. (2007). Confronting Iran: The Failure of American Foreign Policy and the Next Great Conflict in the Middle East.
Basic Books.
Carnegie Endowment for International Peace. (2022). Media as a Tool of Iranian Influence. Beirut Office.
Chatham House. (2020). The Role of the IRGC in Iran's Regional Expansion. London.
Dajani, N. (2015).
"Media and Sectarianism in the Middle East: The Iranian Case." Middle East Journal of Culture and Communication, 8.
Hroub,
K. (2012). Hamas: Political Thought and Practice. Institute for Palestine Studies.
Levite, A., & Brom, S. (2019).
Proxy Wars: Suppressing Violence through Local Agents. Carnegie Endowment.
Marashi, I. (2017).
"The Role of Mahdism in Iranian Politics." International Journal of Middle East Studies, 49.
Nasr, V. (2007).
The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future. W.W. Norton.
Ostovar, A. (2016). Vanguard of the Imam: Religion, Politics, and Iran's Revolutionary Guards.
Oxford University Press.
Pollack, K. (2021). "Iran-Israel Confrontation in the New Middle East." Brookings Institution.
Rand Corporation. (2022). Religious Ideology and Strategic Goals in Iran. Santa Monica, CA.
Ross, D. (2023). "Iran and Israel: Between Rhetoric and Reality." The Washington Institute, Policy Paper.
Stanford University. (2021). Iranian Revolutionary Rhetoric and the Israeli Question. Stanford Center for Middle Eastern Studies.
Washington Institute for Near East Policy. (2023).Iranian-Israeli Tensions: Rhetoric vs. Reality. Washington D.C.