تحرير خالد القاضي على الأحد، 27 تموز/يوليو 2025
فئة: مدونات عربية

الإعلام السوري في السويداء فشل ممنهج وفرص ضائعة

في عصر يتصارع فيه الخطاب قبل الرصاص، ويُحسم فيه النصر أحيانًا قبل أن تُطلق أول رصاصة، أضحى الإعلام أحد أبرز أدوات الحرب الناعمة والصلبة، بل أصبح يمثل اليوم "التمهيد النيراني الرمزي" الذي تفتتح به القوى العظمى معاركها السياسية والعسكرية. لم تعد الجيوش وحدها قادرة على فرض الشرعية، بل الإعلام هو من يصوغها، ويمررها، ويدافع عنها أو ينزعها. ومن هنا، تُدرك الدول أن المعركة على "السردية" قد تسبق المعركة على الأرض، وأن كسب الرأي العام قد يعني كسب المعركة كاملة.

ولقد أدركت القوى العظمى هذه الحقيقة مبكرًا، فأسست وزارات إعلام مُوازية لجيوشها، وجهزت أقمارًا صناعية ومراكز أبحاث ومؤسسات ضغط (لوبيات) لترويج رواياتها، وصياغة "صورة العدو" بما يخدم مصالحها.

و بات الإعلام جزءًا لا يتجزأ من مفهوم "الحرب الهجينة" (Hybrid Warfare)، حيث يُوظَّف لإضعاف الجبهة الداخلية للخصم والتلاعب بمعنوياتهم عبر التشويه والتضليل

، والتي تقوم على دمج العمليات العسكرية التقليدية مع أدوات نفسية وإعلامية واقتصادية.

وليس هذا الإدراك وليد الحداثة فقط؛ بل إن التراث الإسلامي سبق إلى بيان مركزية الإعلام في الحرب والشرعية. فقد روى البخاري عن النبي ﷺ أنه قال لحسان بن ثابت:

"اهْجُهُمْ - أو هاجِهِم - وَجِبْرِيلُ مَعَكَ"
ليتحول حسان إلى ما يشبه "الناطق الإعلامي الرسمي" للدولة الإسلامية في مواجهة الحرب النفسية والمجازية لقريش.

كما أن النبي ﷺ، على الرغم من خيانة عبد الله بن أُبيّ بن سلول، زعيم المنافقين، لم يأمر بقتله، وذلك خشية أن يُستغل الموقف إعلاميًا ويقال: "إن محمدًا يقتل أصحابه" (رواه مسلم). وهذا يُبرز وعيًا مبكرًا بتأثير الرواية الإعلامية على صناعة الرأي العام الدولي والمحلي، بل وعلى تماسك الجبهة الداخلية.

وفي السياق ذاته، أمر القرآن الكريم بالتثبت الإعلامي ونقل الأخبار عبر قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]
وهو أصلٌ إعلامي عظيم في مواجهة الإشاعات والحرب النفسية، التي قد تُحدث من الأثر ما لا تُحدثه المدافع. كما جاء في الحديث الصحيح:
"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (رواه مسلم).
في تحذير من "النسخ التلقائي للرواية" دون تحقق، وهي آفة تعاني منها الأنظمة المعاصرة أمام حرب إعلامية ممنهجة تُعيد إنتاج الأكاذيب حتى تغدو حقائق.

بل إن الرسول ﷺ نبّه إلى أن الحرب النفسية بحد ذاتها سلاحٌ حاسم، فقال كما في صحيح البخاري:

"نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"
وهو ما يعادل بمفاهيم اليوم التفوق في صناعة "هيبة الدولة" و"سطوة الرواية الرسمية".

إن هذا البحث ينطلق من هذه القاعدة التأسيسية: أن الإعلام، بشقه الواقعي والرمزي، ليس تابعًا للحرب بل شريك فيها.

وأن فشل الإعلام في القيام بدوره لا يعني فقط خسارة المعركة الدعائية، بل يعني فقدان الشرعية، وزعزعة السيادة، وتآكل مؤسسات الدولة.

أولًا: الإعلام أداة حرب… فكيف سلّم النظام زمام الرواية لخصومه؟

منذ 2011، ومع تحول النزاع السوري من حركة احتجاجية إلى نزاع مسلح متعدد الجبهات، تحوّل الإعلام السوري الرسمي إلى ما يشبه جهاز الدعاية البيروقراطي التقليدي، غير قادر على استباق الأحداث أو توجيه الرأي العام، بل عاجز حتى عن اللحاق بالخطاب الانفصالي والدولي المضاد.

في أزمة السويداء تحديدًا (2023–2025)، واجهت الحكومة أحد أعقد التحديات: ظهور خطاب انفصالي متماسك، مدعوم بغطاء شعبي ودعم إقليمي وإسرائيلي، يطعن بعمق في وحدة الدولة وشرعيتها .
ورغم هذا الخطر، ظل الإعلام الرسمي حبيس البيانات العامة والأخبار المختزلة، يفتقر للمهنية والجرأة والمرجعية القانونية والدولية.

ثانيًا: إخفاقات الإعلام في توظيف الأدوات القانونية

من أبرز الإخفاقات التي وقع فيها الإعلام الرسمي هو فشله في توظيف النصوص القانونية الوطنية والدولية لإدانة الحراك الانفصالي في السويداء.
فبينما نص قانون العقوبات السوري (المادتان 275 و285) وغيرها بوضوح على تجريم رفع السلاح وطلب التدخل الأجنبي ورفع أعلام غير رسمية، لم يستثمر الإعلام هذه الأدوات لتعرية قادة التمرد أمام الشعب والعالم واكتفى بالتقارير الإخبارية الخجولة.
ولم تُعرض عبر شاشات التلفزة أي حملة توعية عن العقوبات، ولا خُصّصت برامج حوارية مع قضاة وقانونيين لشرح الوضع القانوني، رغم أن الخصوم كانوا يتلاعبون بالرأي العام ويقدّمون أنفسهم كضحايا "اضطهاد" وليسوا شركاء في تمرد مسلح.

والأسوأ أن الحكومة لم تطلب من القضاء إصدار مذكرات توقيف أو بلاغات رسمية (نشرة حمراء) بحق قادة التمرد، ولم تُسلّم أي ملف موثّق للإنتربول أو للمنظمات الدولية.
هذه الفجوة القانونية وفرت للانفصاليين غطاء دعائيًا واسع النطاق، وحرمت الدولة من أي غطاء سيادي أو دولي لتحركاتها الأمنية، ما أضعف موقفها حتى أمام حلفائها.

ثالثًا: القصور في إدارة الحرب النفسية والدعائية

في ملف السويداء، اعتمدت الفصائل الانفصالية وقادتها، مثل الشيخ حكمت الهجري، خطاب المظلومية وتوظيف الدين والهوية الطائفية لصناعة رمزية جديدة للجبل، مستفيدين من دعم صفحات محلية ووسائل إعلام خارجية (إسرائيلية وغربية) .

الإعلام الرسمي لم يستوعب خطورة "الحرب الهجينة" (Hybrid Warfare)، حيث تتضافر الدعاية مع الحرب النفسية والضغوط الإقليمية .
فغاب أي استباق للخطاب المضاد، ولم تُنتج برامج مواجهة لفضح ارتباطات بعض الفصائل بإسرائيل أو تورطها في تهريب المخدرات والكبتاغون.
ولم تظهر على الشاشة شجاعة حقيقية في مواجهة الأكاذيب بملفات استقصائية وأدلة وثائقية، بل اقتصرت الاستجابة على نشرات أخبار مقتضبة لا تكاد تقرأها النخبة، فضلًا عن الشارع.

كان يمكن للإعلام أن يرد بسلسلة تحقيقات مرئية:

وباقي القضايا المجرمة دوليا، لكن الإعلام الرسمي التزم الصمت أو الحد الأدنى، ليخسر معركة السردية أمام خصومه ويفرط في فرصة ثمينة لتثبيت شرعية الدولة وتبرير تحركاتها الأمنية محليًا ودوليًا.

رابعًا: تجاهل الفضاء الرقمي وغياب المنصة الوطنية

في الوقت الذي انتشرت فيه عشرات الصفحات المحلية والفضائيات الإقليمية التي تتبنى خطاب الانفصال، غابت المنصة الرقمية الوطنية الفعالة التي تبث البيانات الرسمية لحظة بلحظة، وترد على الإشاعات وتنشر تقارير مصورة من قلب الحدث.

لم تطلق الدولة موقعًا رسميًا محدثًا مخصصًا للسويداء، ولم تفعل قنوات التواصل مع المجتمع المحلي (واتساب/تلغرام/فيسبوك) لاستقبال البلاغات والشكاوى وتصحيح الأخبار المغلوطة.

ففي نماذج دولية مماثلة (كإسبانيا إبان استفتاء كاتالونيا 2017، وتركيا مع أحداث الانقلاب 2016) أظهرت أهمية المنصات الرقمية الرسمية في التصدي السريع للأخبار الزائفة وحماية الوحدة الوطنية .

أما في الحالة السورية، فبقي المواطن في السويداء عُرضة للتهويل والدعاية والتحريض، في ظل غياب مصدر وطني موثوق.

خامسًا: تجاهل الجرائم الاقتصادية والسياسية كذخيرة سيادية

من أكبر الفرص الضائعة التي لم يستثمرها الإعلام الرسمي:

هذه الملفات كانت كافية لمنح الدولة شرعية الرد الحاسم وتحريك قضايا رسمية في مجلس الأمن والمحاكم الدولية.
لكن الإعلام السوري كعادته في التخلف تعامل مع هذه الجرائم وكأنها قضايا جانبية، فلم يفضحها، ولم يطلب من المجتمع الدولي التعاون، ولم يسع لفرض عقوبات على الداعمين الخارجيين للفصائل.

سادسًا: غياب استراتيجية التواصل مع المجتمع المحلي في السويداء

أظهر الإعلام السوري قصورًا شديدًا في مخاطبة البيئة المحلية للسويداء.
لم يُنتج برامج موجهة باللهجة المحلية، ولم يستضف وجوهًا اجتماعية أو عشائرية موالية للدولة وقعت ضحية لتصرفات ميلشية خارجة عن القانون، وظهرت تصرفاتها كأنها فعل وليس رد فعل عن الخطف والتهجير الممنهج.

ولم يخصص مساحة لتفنيد دعاوى الانفصال بأسلوب بسيط وواقعي يراعي الخصوصية الدرزية والتاريخ المحلي.

وانكشف للعيان بأن تجربة حكومة دمشق أشبه بمخاطبة مجتمع بعيد عن الواقع، تُعيد فيها الخطاب الرسمي القديم وتنتظر نتائج مختلفة بكل سذاجة مهنية.
بينما على أرض الواقع، كان الشارع في السويداء يتعرض يوميًا لدعاية انفصالية وشعارات تروّج لـ"الدولة الجبلية" أو "الحماية الدولية"، دون أن يجد من يرد أو يفسر موقف الدولة.

سابعًا: إخفاق في مخاطبة الخارج وتوظيف الأدوات الدولية

لم يتوجه الإعلام الرسمي السوري للمنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية برسائل قانونية موثقة، ولم يستفد من مبدأ سيادة الدولة وشرعيتها في محاربة التمرد كما فعلت دول أخرى. على عكس ما فعلته دول مثل: إسبانيا إبان أزمة كتالونيا وتركيا بعد محاولة الانقلاب 2016، حيث خاطبت تلك الحكومات المنظمات الدولية برسائل قانونية توضح شرعية إجراءاتها، لم يبادر الإعلام السوري إلى توظيف هذا النهج لتثبيت شرعية الدولة ومحاربة الخطاب الانفصالي
بل غاب عن الساحة تمامًا في المؤتمرات الصحفية الدولية، تاركًا المجال للسردية الانفصالية المدعومة غربيًا وإسرائيليًا كي تُقدّم نفسها كحراك حقوقي مدني، وليس كمشروع تفكيك منظم .

فشل التنسيق وغياب القيادة… ومصير مفتوح للفوضى

لقد كشفت أزمة السويداء عن خلل بنيوي خطير في أداء حكومة الشرع، يتلخص في غياب التنسيق بين السلطات الأربع: التنفيذية، القانونية، التشريعية، والإعلامية.
في كل مفصل أزمة، كانت كل جهة تتحرك وحدها؛ فلا الإعلام يستند للقانون، ولا القضاء يدعم خطواته ببلاغات رسمية، ولا القيادة التنفيذية توفر معلومات واقعية للناس أو للعالم.

هذا التخبط والتقاعس الجماعي ينبئ بمزيد من الفشل في ملفات قادمة؛ فحكومة تدّعي الشرعية والمرجعية الإسلامية لكنها تتجاهل أسس الإعلام المسؤول الشرعي، وتفرط في كل أداة سيادية بيدها، لا يُنتظر منها سوى مزيد من الخسارات على الصعيدين الداخلي والدولي.

إن فقدان القيادة الإعلامية الموحدة في لحظة حاسمة هو أكبر مهدد لوحدة سوريا واستقرارها على المدى القريب والبعيد .

المراجع:

1.Balanche, Fabrice. "The Druze of Suwayda: A Strategic Pivot." The Washington Institute, 2023.

2.INSS. "Annual Report 2019: Syrian Druze and Israel." Institute for National Security Studies, 2019.

3.Jerusalem Institute for Strategy and Security. "Druze Dynamics on Syria's Southern Front," 2021.

4.Syrian Penal Code No. 148/1949, Articles 275, 285, 286.

5.Haaretz. "IDF Treating Syrian Rebels." 2023.

6.Kan News. "Druze Leaders Seek Israeli Protection." 2023.

7.The Guardian. "Syria's southern drug corridor," 20 Dec 2022.

8.Reuters. "Captagon Smuggling in Syria," 2022.

9.Human Rights Watch. "Syria: Detention and Torture in Sweida." 2023.

10.NATO Review. "Hybrid Warfare – New Threats, Complexity, and 'Trust' as the Antidote," Nov 2021.

11.Bourdieu, Pierre. Language and Symbolic Power. 1991.

12.Turkey Penal Code Article 301.

13.Spain Penal Code on Separatist Symbols.

14.Syria Direct. "Captagon smuggling and the Druze militia," Jan 2023.

15.Carnegie Middle East Center. "Strategic Margins: The Druze of Suwayda," 2019.

16.Chatham House. "Syria's Southern Provinces and Regional Tensions," 2024.

17.Krasner, S. D. Sovereignty: Organized Hypocrisy. Princeton University Press, 1999.

18.Syrian Penal Code No. 148/1949.