تحرير عبد الله المصرى على الجمعة، 27 حزيران/يونيو 2025
فئة: مدونات عربية

وهم النصر وزيف العداء عبثية الشعارات وتواطؤ القوى

في عالم تسيطر عليه الأوهام وتُكتب مسرحياته بحبر الخداع، يعيد التاريخ نفسه بوجوه جديدة وأدوات متطورة. من جمال عبد الناصر إلى علي خامنئي، تتشابك المصالح وتتقاطع الأهداف بين الطغاة والقوى العظمى، بينما تظل الشعوب ضحية للشعارات الرنانة التي تُصوَّر فيها الهزائم انتصارات، والخيانات حنكة سياسية. فكيف تتحول الكلمات إلى أسلحة فتاكة، والخطاب إلى أدوات تضليل ممنهج؟ ولماذا تظل أمريكا وإيران شريكين أساسيين في صناعة الفوضى باسم التناقض والعداء الزائف؟ إنها حلقة مفرغة من العبثية السياسية التي تستنزف الأمة وتفقدها بوصلتها.
الشعارات الرنانة: سلاح الطغاة الأبدي لتضليل الجماهير
يُبرع الطغاة على مر العصور في توظيف آلة إعلامية صاخبة تُصدّع الرؤوس بالخطابات الثورية والمبالغة، حتى تتحول الأكاذيب الصارخة إلى حقائق مُسلّم بها في أذهان الجماهير المخدوعة. كان الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، بأسلوبه الخطابي الآسر، أول من أتقن هذا الفن ببراعة في العالم العربي. لقد حوَّل الهزائم العسكرية المدوية إلى انتصارات وهمية بفضل ما علّمه إياه ضباط المخابرات الأمريكية من أساليب تعبوية نفسية دقيقة، كما وثّق ذلك الكاتب الشهير مايلز كوبلاند في كتابه الرائد "لعبة الأمم" (1969). لقد دعمت المخابرات الأمريكية تدريب عبد الناصر على الخطاب التعبوي الثوري، ليس فقط كأداة للسيطرة على الجماهير الداخلية، بل أيضًا كنموذج يحتذى به في إحكام القبضة على مقاليد الحكم.
فبعد هزيمة 1956 المريرة، التي عرفت باسم "العدوان الثلاثي"، لم يُعلن عبد الناصر عن حقيقة الهزيمة الماحقة، بل صوّرها ببراعة إعلامية فائقة كـ"عدوان ثلاثي" جبان، وحوّل يوم 23 ديسمبر من كل عام إلى عيد للنصر الأسطوري. كل هذا رغم أن توقف العدوان كان نتيجة للتدخل الأمريكي والتهديدات السوفيتية الحازمة، وليس نتيجة بطولات الجيش المصري التي كانت في أضعف حالاتها حينئذ. 

هذه العبثية في قلب الحقائق هي ما يميز خطاب الطغاة.
هذا النهج التضليلي لم يختفِ مع مرور الزمن، بل تطوّر وتغلغل ليمتد إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث يُعيد خامنئي ونظامه تمثيل ذات المسرحية القديمة بشعاراتٍ رنانة تُحوّل الفشل الذريع إلى "صمود أسطوري"، والخيانات الواضحة إلى "مقاومة شامخة"، والصواريخ الفارغة التي لا تحدث أي ضرر إلى ضرباتٍ استهدفت قلب تل أبيب! إنها ذات الاستراتيجية القديمة ولكن بأدوات عصرية، مستغلة الوعي الزائف الذي يسود بين قطاعات واسعة من الشعوب.
المسرحية الإيرانية الأمريكية: شراكة مبطنة أم عداء زائف وعبثي؟
إن الصراع المزعوم بين إيران وأمريكا ليس عداءً حقيقيًا كما يُرَوّج له في الإعلام، بل هو شراكةً مبطنة متجذرة تمتد منذ عقود طويلة. ففضيحة "إيران-كونترا" أو "إيران-جيت" في الثمانينيات، حيث زوّدت أمريكا إيران بالأسلحة سرًا عبر إسرائيل، تُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن التعاون بين البلدين أعمق بكثير مما يُظهره الخطاب الرسمي الملتهب. هذه الفضيحة كشفت النقاب عن تفاهمات وتواطؤات في الخفاء، تدحض فكرة العداء الأيديولوجي المطلق.
بل إن شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي كشف في مذكراته الشهيرة "الرد على التاريخ" (1980) عن تفاصيل زيارة الجنرال هويزر، نائب القائد الأمريكي العام، في عام 1979. هذه الزيارة كانت تهدف إلى "إعادة ترتيب القيادة الإيرانية" بعد الثورة الإيرانية، وهو ما فسّره المؤرخون لاحقًا بمحاولة أمريكية لتنفيذ انقلاب ناعم يضمن مصالح واشنطن في المنطقة. ويشير المؤرخ مارك جاسوروفسكي في دراسته القيّمة "السياسة الخارجية الأمريكية والشاه" (1991) إلى أن هذه الزيارة كانت جزءًا لا يتجزأ من مخطط أمريكي أشمل لإعادة هيكلة القيادة الإيرانية بما يخدم الأجندة الأمريكية.
حتى في الحروب الحديثة التي عصفت بالمنطقة، تظهر التواطؤات بين الطرفين بوضوح صادم. فمحمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني الأسبق، صرّح علنًا في مؤتمرٍ أقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2004 أن سقوط كابل وبغداد بعد الغزو الأمريكي لم يكن ممكنًا لولا التعاون الإيراني السري، وهو ما أيّده ودعمه الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني لاحقًا. فهل بعد كل هذه الأدلة القاطعة يبقى من يشك في أن إيران ما هي إلا أداة فعالة للسياسة الأمريكية في المنطقة، تتحرك وفق أدوار محددة لخدمة مصالح واشنطن؟ هذه العبثية في العلاقة بين "العدوين" تتجاوز مجرد الصراع الظاهري لتصل إلى مستوى التنسيق الخفي.
الجهل المقدس: من يُدافع عن الأعداء باسم الإسلام؟
المشكلة لا تكمن فقط في خيانة إيران الصريحة، بل في من يردد وراءها كالببغاوات العمياء من المنتسبين للسنة، مُسمّين طهران "الجمهورية الإسلامية" زورًا وبهتانًا، بل ويصفون قتلى الحرس الثوري في سوريا واليمن بـ"الشهداء الأبرار"! كيف يعقل أن يطمع مسلمٌ عاقل، يدعي الفهم والإدراك، في نصرٍ يأتي من كيان قام بقتل عمر بن الخطاب في العراق، وهدم مساجد السنة في الشام، ودمّر بيوت التوحيد في اليمن؟ هذه العبثية في فهم الانتماء العقائدي هي قمة الضلال.
هذا الوهم الفاسد الذي يُروّج له باسم "التقريب بين السنة والشيعة" قد أكل من عقول الناس وقلوبهم، حتى صار البعض يُمجّد حزب الله ويروّج لأكذوبة "المقاومة الإسلامية" المزعومة، وكأن العقيدة السمحة لا تهم في شيء، وكأن التوحيد الخالص لله سلعة رخيصة يمكن التفريط بها من أجل مكاسب سياسية زائفة أو مكاسب مادية دنيوية. إن هذا الانجراف وراء الشعارات المضلة هو ما يفسر استمرار العبثية في المشهد السياسي والديني.
كما يحلل الخبير فالي نصر في كتابه المهم "النهوض الشيعي" (2006)، فإن العلاقة المعقدة بين إيران والولايات المتحدة شكّلت محورًا رئيسيًّا في الصراعات الإقليمية المستمرة، حيث استغلت أمريكا النفوذ الإيراني المتزايد لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، على حساب الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها.
الوعد الإلهي: نصر المؤمنين وغربة الدين الحقيقي
رغم كل هذا الغشّ والخداع، والتضليل المتعمد، والتواطؤات المشينة، يبقى وعد الله الحق الذي لا يتخلف: "وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين" (الروم: 47). هذا النصر موعود لأولئك الذين ثبتوا على التوحيد الخالص لله، وتمسكوا بالسنة النبوية الشريفة، ولم يُفتنوا بالشعارات الكاذبة البراقة التي يطلقها الطغاة وأدواتهم. ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، قال النبي ﷺ: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء". هؤلاء هم الغرباء، هم الذين يُصلحون عند فساد الناس، ويتمسكون بالدين الحق رغم جبروت الطغاة وضلالات الشعوب وانحرافاتها.
كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة: 143). هذه الآية الكريمة تُذكّر بضرورة التمسك بالوسطية والاعتدال والعدل في مواجهة الخطابات المتطرفة التي تهدف إلى تمزيق الأمة وتشويه صورتها الحقيقية. إن الخروج عن هذه الوسطية هو جوهر العبثية التي نراها اليوم.
صناعة الأبطال الحقيقيين: المسجد والقرآن والسنّة
الحل الحقيقي الذي يخرج الأمة من هذه الدوامة من التضليل والعبثية لا يكمن في شعاراتٍ فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع، أو في تحالفاتٍ عميلة تُبرم في الخفاء لخدمة الأعداء، بل في صناعة الأبطال الحقيقيين داخل المساجد الطاهرة وروضات القرآن الكريم، وفي التمسك بالسنة النبوية الصحيحة. كما قال الشيخ الجليل يوسف القرضاوي في ديوانه الشعري الخالد "يا أمتى وحب الكفاح" (2002):
"لَا بُدَّ مِنْ صُنْعِ الرِّجَالِ، وَمِثْلِهِ صُنْعِ السِّلَاحْ
وَصِنَاعَةُ الْأَبْطَالِ عِلْمٌ فِي التُّرَاثِ لَهُ اتِّضَاحْ
لَا يُصْنَعُ الْأَبْطَالُ إِلَّا فِي مَسَاجِدِنَا الْفِسَاحْ
فِي رَوْضَةِ الْقُرْآنِ، فِي ظِلِّ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحْ"
فشعبٌ بلا عقيدة صافية هو مجرد ورقةٍ تذريها الرياح العاتية في مهب المؤامرات، ومن خان "حيَّ على الصلاة" فقد خان ولا شك "حيَّ على الكفاح"! فالعقيدة هي الأساس الذي تُبنى عليه كل قوة وعزيمة.
وقال تعالى في آية عظيمة تدعو إلى الثبات والصبر: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران: 200). هذه الدعوة الإلهية إلى الصبر والثبات والرباط على الحق تُناقض تمامًا خطابات التسرّع والانخداع بالشعارات الجوفاء التي لا تبني أمة ولا تحقق نصرًا.
تحتاج الأمة اليوم إلى وعي سياسي متجدد، وعمق في الفهم، قائم على العمل المنظم الدؤوب والوعي الجمعي المستنير، بعيدًا عن الشعارات الرنانة التي طالما خدعت الجماهير، لتحقيق النصر الذي وعد الله به المؤمنين الصادقين
{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم : 47]
فالنصر الحقيقي لا يأتي من خطابٍ فارغ أو شعاراتٍ رنانة لا تغني ولا تسمن، بل من العمل المنظم الجاد، والتخطيط المحكم، والوعي الجمعي المتكامل الذي يدرك مكائد الأعداء وحقيقة التحالفات، كما قال الله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (النور: 55). إن تجاوز العبثية يتطلب عملًا جادًا مبنيًا على فهم عميق للواقع والتاريخ.

المراجع:

Copeland, Miles (1969). The Game of Nations: The Amorality of Power Politics. Simon & Schuster, pp. 123–125.
* BBC Arabic (2004). مقابلة محمد علي أبطحي في مؤتمر "الإسلام والديمقراطية". تم استرجاعها من https://www.bbc.com/arabic/magazine/2004/07/040720_iraniraq.shtml
* Pahlavi, Mohammad Reza (1980). Answer to History (الرد على التاريخ). Stein and Day, pp. 150–155.
* Gasiorowski, Mark J. (1991). U.S. Foreign Policy and the Shah: Building a Client State in Iran. Cornell University Press.
القرضاوي، يوسف (2002). ديوان الشعر: يا أمتى وحب الكفاح. دار المنصورة، القاهرة، ص. 45.
* Nasr, Vali (2006). The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future. W. W. Norton & Company, pp. 145–150.