لكن من عرف ما مرّ به هذا الشعب العظيم، لن يندهش من فرحته، بل سيبكي معه من شدة الألم، ويكبر فيه قوة التحمل والصبر والأمل. فالسوريون عاشوا خمسة عقود من التهشيم المنهجي لهويتهم وعقيدتهم وإنسانيتهم، منذ أن وقعت الكارثة مع استيلاء حزب البعث على السلطة.
خمسون عامًا من الطغيان
منذ اللحظة الأولى، زرع النظام الأمني الشمولي أذرعه في كل بيت، حتى بات السوري لا يأمن على نفسه في غرفة نومه. بيعت السيادة الوطنية في أول الطريق، ثم تحول الحكم إلى نظام طائفي علماني متوحش جرد الشعب من دينه وأخلاقه وانتمائه.
أُغلقت المساجد، وهُمش العلماء، وكُمّت الأفواه. وصنعت السلطة نخبًا "ثقافية" فاجرة تُشرّع القمع وتبرر البطش. وعُسكرت الحياة اليومية حتى غدا المجتمع كله ساحة أمنية، لا يُسمع فيها إلا صوت المخابرات.
لم يعد للسوري وطنٌ يُحتضن فيه، ولا دينٌ يُمارس بأمان، ولا عرضٌ يُحمى في ظل قضاء غائب وعدالة مغيبة.
ثم جاءت الثورة، فكشفت للعالم ما لم يكن ليتخيله أحد: سجون تمتهن الكرامة وتغتال الأجساد، وقصف لا يفرّق بين طفل ومسجد ومستشفى. ميليشيات طائفية تقتل وتغتصب باسم "الممانعة"، وتشريد قاسٍ جعل السوري غريبًا حتى في المطارات والحدود.
سنوات طغيان حافظ الأسد (1970–2000م)
فترة حكم حافظ الأسد من أكثر الفترات دمويةً وسوداويةً في تاريخ سوريا الحديث، وقد وُصِف حكمه بأنه "جمهورية الخوف"، وسُيّج بالقبضة الأمنية والقمع الوحشي.
1. صعوده بانقلاب عسكري (الحركة التصحيحية 1970)
لم يأتِ حافظ الأسد للحكم عبر صناديق اقتراع، بل بانقلاب عسكري أطاح برفاقه في حزب البعث، خاصة صلاح جديد.
- ما يُعرف بـ"الحركة التصحيحية" في 16 نوفمبر 1970، والتي مهّدت لحكم الفرد المطلق (باتريك سيل – أسد: صراع الشرق الأوسط).
2. مجازر جماعية: أبرزها مجزرة حماة 1982
أشهر جرائمه هي مجزرة حماة، حين سحق المدينة بالدبابات والمدفعية بحجة قتال "الإخوان المسلمين".
- تشير التقديرات إلى مقتل ما بين 10,000 إلى 40,000 مدني خلال أقل من شهر (منظمة العفو الدولية، روبرت فيسك، تقرير Middle East Watch).
3. الدولة الأمنية والاعتقالات
حوّل سوريا إلى سجن كبير.
- أجهزة المخابرات كانت تلاحق أي صوت معارض، وشهدت سجون مثل تدمر انتهاكات مروّعة (شهادات مصطفى خليفة في "القوقعة"، تقارير هيومن رايتس ووتش).
4. توريث الحكم: تحويل الجمهورية إلى مملكة
قبل وفاته، عدّل الدستور في دقائق ليخلفه ابنه بشار، في مشهد يعكس استهزاءه بالديمقراطية.
- عُدّل الدستور فجأة بسبب وفاة حافظ الأسد في عام 2000 ليخفض سن الترشح من 40 إلى 34 عامًا، وهو عمر بشار حينها.
5. استغلال الطائفية والتحالفات المشبوهة
أسس حكمه على تماسك طائفي ضمن الأجهزة الأمنية والجيش، واستغل الانقسامات الدينية والعرقية لإحكام قبضته.
- كما عقد تحالفات مع إيران والخميني بعد الثورة الإيرانية 1979، ما جعل سوريا ممرًا لأذرع إيران.
الخلاصة: حكم حافظ الأسد كان بالحديد والنار، دمّر المعارضين، وخلق نظامًا بوليسيًا وراثيًا، وأغرق سوريا في الخوف والفساد والدماء.
وريث الطغيان: بشار الأسد (2000–2024)
هلك حافظ الأسد يوم السبت 10 يونيو عام 2000، وفي نفس اليوم تقريبًا، اجتمع مجلس الشعب السوري وصوّت على تعديل المادة 83 من الدستور، ليخفض الحد الأدنى لعمر الرئيس من 40 إلى 34 عامًا، وهو عمر بشار حينها.
ثم تم ترشيحه من قبل حزب البعث الحاكم، وجرى استفتاء شعبي شكلي في يوليو 2000، حصل فيه على أكثر من 97% من الأصوات المعلنة.
وبهذا تولى بشار الأسد الحكم رسميًا في 17 يوليو 2000.
ماتَ في البريّةِ كلبٌ، استرحنا منْ هواهْ
خلّفَ الكلبُ جَروًا، فاقَ في النُّبْحِ أباهْ
أبرز ملامح طغيانه
1. قمع ثورة الكرامة (2011)
حينما خرج السوريون يهتفون "حرية"، واجههم بالرصاص والكيماوي والبراميل.
- أكثر من 500,000 قتيل، معظمهم مدنيون، وأكثر من 13 مليون نازح ولاجئ (تقارير الأمم المتحدة، الشبكة السورية لحقوق الإنسان).
2. استخدام الأسلحة الكيميائية
مجزرة الغوطة الشرقية 2013: راح ضحيتها أكثر من 1,400 مدني بغاز السارين.
- النظام متهم باستخدام الكلور والسارين في عشرات الهجمات (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تحقيقات الأمم المتحدة).
3. تدمير المدن بالبراميل
أسقط جيشه أكثر من 70,000 برميل متفجر على المدن والقرى.
- حلب، حمص، داريا، والغوطة... تحوّلت إلى ركام (تقارير منظمة العفو الدولية وصور الأقمار الصناعية).
4. سجون الموت
قُتل عشرات الآلاف تحت التعذيب، لا سيما في سجن صيدنايا، الموصوف بـ"مسلخ بشري".
- تقرير قيصر الذي سرّب 55,000 صورة لجثث معتقلين ماتوا تحت التعذيب.
5. تسليم البلاد للاحتلال
سمح بدخول إيران وميليشياتها، وروسيا، ففقدت سوريا سيادتها.
- أصبحت ساحةً لصراع القوى.
الخلاصة: إذا كان حافظ الأسد خرّب، فإن بشار مزّق البلاد، وتركها أشلاءً مبعثرة. هو ليس رئيسًا، بل واجهةٌ للدمار والتهجير والإجرام الممنهج.
ولادة جيل جديد
من تحت الركام، خرج جيل جديد، حطم الأغلال، ودمر الأطواق في قلب المعركة، لا في فنادق المؤتمرات. شباب متدينون، ناضلوا من الخنادق لا من القنوات، حملوا همّ الثورة ولم يبتغوا جزاءً ولا شكورًا.
هؤلاء اليوم هم نواة الإدارة الجديدة، قيادة مخلصة، عُرفت بمواقفها لا بصفقاتها، كانوا يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، وقلوبهم معلّقة بالله عز وجل، لا بالكراسي ولا بالعواصم.
بدأت سوريا معهم تستعيد نفسها:
- كرامة الإنسان تُصان بعدما كانت تُداس.
- مشروع وطني جامع يُبنى بعيدًا عن الطائفية والإقصاء.
- المساجد امتلأت من جديد، وارتفع صوت الحق بعدما أُخرس طويلًا.
- جهود دبلوماسية ذكية تُبذل لرفع العزلة وفتح أبواب المستقبل.
- النخب الحقيقية تعود بعدما كانت الأصوات الحرة مطمورة لصالح أبواق النظام.
مبادرة ترسم المستقبل
في هذا السياق الإيجابي من التفاؤل والأمل، أطلق ناشطون سوريون حملة إلكترونية تحت وسم "#سوريا_نحو_الريادة"، تهدف إلى تسليط الضوء على قصص النجاح السورية في الداخل والخارج، وتكريس الأمل في مستقبل مزدهر.
دعت الحملة السوريين إلى سرد تجاربهم في مجالات: العلم، الفن، الطب، التكنولوجيا، والعمل المجتمعي، لتشكّل فسيفساء من الريادة الملهمة، تعكس قدرة السوري على تجاوز المحن وصناعة الأمل من العدم.
وقد لاقت الحملة تفاعلًا واسعًا، بمشاركة شخصيات ومهنيين وطلاب، معتبرين أن هذه المبادرة تعبّر عن "الروح السورية" الحقيقية، لا تلك المحصورة في صور الحرب والمعاناة.
خطوات عملية
ضمن بشائر النهوض، تستعد الحكومة السورية لتوقيع اتفاق تاريخي مع شركات دولية لتوسيع شبكة الكهرباء بقدرة إضافية تبلغ 5000 ميغاوات، في خطوة قد تضاعف حجم الإمداد الكهربائي.
المشروع سيشمل:
- تطوير توربينات غازية ومحطات شمسية حديثة.
- شراكة مع شركات من قطر وتركيا وأمريكا.
- محاولة جادة لإحياء البنية التحتية التي دمّرتها الحرب.
ورغم التحديات الكبرى — من دمار، وعقوبات، ونقص في الوقود — إلا أن هذه الاتفاقيات تمثل بداية مرحلة جديدة، تسعى فيها سوريا إلى استقطاب الاستثمارات، وتجاوز مآسي الحرب.
ختاما دعوا الشعب يحلم
فماذا تنقمون على هذا الشعب؟
هل رأيتم فسادًا؟
هل باع هؤلاء الشباب القرار السيادي؟
هل خانوا الدماء؟
هؤلاء أبناء سوريا، لا يتاجرون بالدين بل يعيشونه، لا يتحدثون عن الوطن من أبراج الفنادق بل يبنونه من الأرض، بدموع الأمهات، وصبر الثكالى، وحلم اللاجئين.اتركوا هذا الشعب يحلم، فهو ولأول مرة منذ خمسين عامًا، يشعر أن له دولة تنظر إليه لا عليه.
ومن ناضل ضد الطغيان، لن يصنع طغيانًا جديدًا، بل سيقود سوريا إلى صفوف الدول الحرة الكريمة.