Select your language

Font size: +
5 minutes reading time (995 words)

باعث النهضة ومحيي الشعر العربي

IMG-20260726-WA0000

 حين يذُكر الشعر العربي الحديث، تتبادر إلى الأذهان فوراً أسماء عمالقة كأحمد شوقي "أمير الشعراء"، وحافظ إبراهيم "شاعر النيل"، وغيرهما ممن ملأوا الدنيا وشغلوا الناس.

غير أن الحقيقة التاريخية والأدبية التي يغفل عنها الكثيرون هي أن هؤلاء الأعلام لم يبدأوا من فراغ، بل إن شجرتهم العظيمة زرعها ورواها رجل واحد، مهد لهم الطريق، وأعاد للشعر العربي هيبته، وأحيا أساليبه، وجدد روحه، حتى صار كل من جاء بعده امتداداً لمدرسته وأميناً على إرثه.
إنه محمود سامي البارودي؛ الشاعر، والقائد، والمجاهد، ورجل الدولة، الذي جمع بين الصرامة والبيان، والبطولة والأدب، حتى استحق عن جدارة واستحقاق أن يُلقب بـ «رب السيف والقلم».

حياة استثنائية بين الميدان والديوان
لم تكن سيرة البارودي سيرة شاعر يكتب من برج عاجي، بل كانت ملحمة رجل عاش أحداثاً جساماً، وخاض غمار السياسة والميدان، فمزجت تجربته الحياتية شعره بصدق وعمق لا يُطالان.
النشأة والتكوين:
وُلد محمود سامي البارودي عام 1839م لأسرة عريقة تنحدر من أصول شركسية كانت من أمراء المماليك، وقد نشأ يتيم الأبوين في رعاية أسرته، إلا أن ذلك لم يكسر شوكته، بل أورثه صلابة مبكرة وعزيمة لا تلين. تشبّع منذ طفولته بحب العلم والفروسية معاً، فجمع بين قراءة عيون التراث العربي وحفظ دواوين الشعراء الكبار، وبين التدريب العسكري وركوب الخيل واستخدام السلاح. ولم يكتفِ بذلك، بل التحق بالمدرسة الحربية، وخطا خطواته الأولى في الجيش المصري بذكاء وثبات، متدرجاً في رتبه العسكرية بفضل كفاءته الفائقة، ومبرزاً منذ صباه شجاعة نادرة وبسالة جعلت الأعين تتوسم فيه قائداً استثنائياً يجمع بين حد السيف وبلاغة القلم.
البطولة والمشاركة العسكرية:
لم يكن العسكري البارودي ناظماً للمراثي فحسب، بل خاض أهوال الميادين العسكرية حقيقة لا مجازاً؛ فشارك ببسالة في حرب القرم (1853–1856م) ضمن القوات المصرية المرسلة لدعم الدولة العثمانية ضد الإمبراطورية الروسية، لتمثل هذه الحرب ميدانه الأول واحتكاكه الحقيقي بالصراعات الدولية الكبرى. ولم تتوقف بطولاته عند ذلك، بل قضى نحو عامين كاملين (1866–1868م) يخاض أشرس المعارك الميدانية في جبال جزيرة كريت لإخماد ثورتها الانفصالية دعماً للعثمانيين، وهي التجربة التي صقلت وعيه القيادي والسياسي وعمقت خبرته العسكرية. هكذا انصهرت الميدان بالبيان في شخصيته، فظل طوال حياته يمسك السيف بيمينه والقلم بيساره.
رجل الدولة:
لم يكتفِ البارودي بأن يكون فارساً في ميدان القتال، بل امتدت يده لتبني وتصلح في ميادين الحكم والسياسة؛ فتقلد مناصب رفيعة كوزارة الأوقاف والمعارف، وصولاً إلى تعيينه وزيراً للحربية والبحرية ثم رئيساً لنظار الوزراء (رئاسة الوزراء) في فبراير عام 1882م، في واحدة من أحرج الفترات وأكثرها حساسية في تاريخ مصر الحديث. ولم يكن وصوله للسلطة طلباً لجاه أو مغنماً، بل استغل موقعه كـ "مصلح" يبتغي رفعة وطنه واستقلاله الحقيقي، فبادر فور توليه إلى وضع أول دستور وطني يضمن للشعب حقه في المشاركة السياسية، وسعى للحد من التدخل الأجنبي المتزايد في شؤون البلاد، مقدماً نموذجاً نادراً لرجل الدولة الذي يترجم أفكاره الوطنية والتحررية إلى قرارات جريئة وواقع ملموس.

ثورة البعث الإحيائي: كيف أعاد الشعر إلى عرشه؟
قبل البارودي، كان الشعر العربي يعاني من حالة من الركود الفكري والجمودي، حيث سيطرت عليه ألوان من التكلف البديعي، والجناس المفتعل، والزخارف اللفظية الخاوية التي أفرغت القصيدة من مضمونها وجعلتها أشبه بألغاز لغوية تفتقر إلى العاطفة الحية.
جاء البارودي ليحدث الانقلاب الأدبي الأعظم في العصر الحديث، مستنداً إلى رؤية واضحة وركائز صلبة:
العودة إلى ينابيع الفصاحة:
عكف البارودي على دراسة عيون الشعر العربي القديم في عصوره الذهبية (الجاهلي، الإسلامي، الأموي، العباسي)، فحفظها واستوعب أسرارها، وتغذى على بلاغتها.
وظهر ذلك في مطالع قصائده التي استلهمت فخر وعزة القدماء، كقوله رافضاً حياة اللهو ومفتخراً بالهمة العالية:

سِوَايَ بِتَحْنَانِ الأَغَارِيدِ يَطْرَبُ
وَغَيْرِيَ بِاللَّذَّاتِ يَلْهُو وَيُعْجَبُ

وَما أَنَا مِمَّنْ تَأْسِرُ الْخَمْرُ لُبَّهُ
وَيَمْلِكُ سَمْعَيْهِ الْيَرَاعُ الْمُثَقَّبُ

وَلَكِنْ أَخُو هَمٍّ إِذا ما تَرَجَّحَتْ
بِهِ سَوْرَةٌ نحَوْ َالْعُلاَ رَاحَ يَدْأَبُ

نَفَى النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْه نَفْسٌ أَبِيَّةٌ
لَها بينَ أَطْرافِ الأَسِنَّة مَطْلَبُ

إعادة الروح والجزالة:
نجح في تخليص القصيدة من الضعف والركاكة، وأعاد لها جزالة الألفاظ، وسلامة التراكيب، وفخامة الموسيقى، وقوة السبك.
فنجده يزأر مستنهضاً همم قومه ومحذراً إياهم بكلمات تشبه السيوف في حدتها وجزالتها:

فَيَا قَوْمُ هُبُّوا إِنَّمَا الْعُمْرُ فُرْصَةٌ
وَفِي الدَّهْرِ طُرْقٌ جَمَّةٌ وَمَنافِعُ
أَصَبْرَاً عَلَى مَسِّ الْهَوَانِ وَأَنْتُمُ
عَدِيدُ الْحَصَى إِنِّي إِلَى اللَّهِ رَاجِعُ
وَكَيْفَ تَرَوْنَ الذُّلَّ دَارَ إِقَامَةٍ
وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ

التعبير عن الذات والحدث:
جعل البارودي الشعر تعبيراً حقيقياً عن النفس الإنسانية، والتجارب الشخصية، والهموم الوطنية والسياسية، ولم يعد مجرد وسيلة للمديح المبتذل أو الرثاء المتكلف.
وتجلى ذلك بصدق موجع حين عبّر عن لوعة الفراق وحرقة النفي بعيداً عن وطنه، قائلاً في أبيات تقطر ألماً وصدقاً:
لِكُلِّ دَمْعٍ جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ سَبَبُ
وَكَيْفَ يَمْلِكُ دَمْعَ الْعَيْنِ مُكْتَئِبُ
لَوْلا مُكَابَدَةُ الأَشْوَاقِ ما دَمَعَتْ
عَيْنٌ وَلا بَاتَ قَلْبٌ فِي الْحَشَا يَجِبُ

محنة النفي: ضريبة الكرامة وذروة الإبداع
لم تكن حياة البارودي مفروشة بالورد، بل دفع ثمن مواقفه الوطنية المبدئية ودعمه للثورة العرابية غالياً؛ حيث حُكم عليه بالنفي إلى جزيرة «سرنديب» (سريلانكا) لقرابة عقدين من الزمان (سبعة عشر عاماً).
وفي منفاه الطويل، بعيداً عن الوطن والأهل، أثبت البارودي أن الإبداع الحقيقي لا تهزمه الجغرافيا ولا توقفه القيود.
تحول النفي إلى منجم شعري فريد؛ فصاغ أشهر قصائده في الحنين إلى الوطن (شوقيات المنفى المبكرة)، مناجياً النيل، ومتأملًا في حال الأمة، فخرج من محنته بأدب يخلد ذكراه، وتأثير لا يُمحى في تاريخ الثقافة العربية.

ولم تقتصر محنة المنفى على القهر السياسي والبعد عن الوطن، بل تجرّعت روح البارودي أمرّ كأسات الفقد وهو وحيد في منفاه النائي؛ ففي عام 1885م، توفيت زوجته الوفية "عديلة يكن" عن سبعة وثلاثين عاماً، ونُعيت إليه وهو غائب، فرثاها بداليّة خالدة من عيون شعريّته.
ولم يكد يفيق من صدمة رحيل رفيقة دربه، حتى فُجع بنبأ وفاة ابنتهما "سميرة" بعدها بقليل، فوقعت الفاجعة كالصاعقة التي جمدت الدمع في المآقي، وبلغت به القسوة مبلغاً عجُز فيه حتى عن البكاء، فخطّ هذين البيتين الداميين اللذين يلخصان أقصى درجات الحزن الإنساني:
فَزِعْتُ إِلَى الدُّمُوعِ فَلَمْ تُجِبْنِي ... وَفَقْدُ الدَّمعِ عِنْدَ الحُزْنِ دَاءُ
وَمَا قَصَّرْتُ فِي جَزَعٍ، وَلَكِنْ ... إِذَا غَلَبَ الأَسَى، ذَهَبَ البُكَاءُ!

ابدأ بالأصل
فإن أراد باحثٌ أو محب للأدب أن يفهم كيف استعاد الشعر العربي كبرياءه وعنفوانه، فلا يصح له أن يبدأ بشوقي ولا بحافظ، بل عليه أن يعود إلى نقطة الانطلاق والمنبع الأول.
يبدأ من محمود سامي البارودي، وهو ليس مجرد صفحة في كتاب الأدب، بل هو المؤسس الأكبر الذي مهد الطريق، ووضع حجر الأساس الصلب لنهضة أدبية استمرت عقوداً طويلة. لقد ترك سيفاً دافع عن الكرامة، وقلماً أعاد للكلمة سلطانها، وبقى اسماً خالداً يتردد كلما ذكر الوفاء والفصاحة والبطولة.

×
Stay Informed

When you subscribe to the blog, we will send you an e-mail when there are new updates on the site so you wouldn't miss them.

THE TRIVIALISATION OF SECURITY AND MILITARY AWAREN...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment