تعد ظاهرة الجماعات الجهادية في مصر ملفاً شائكاً يمتد بجذوره إلى لحظة المواجهة مع الحملة الفرنسية، والتي تجسدت في مقتل "كليبر" على يد سليمان الحلبي كأولى إرهاصات المقاومة ذات المرجعية الأزهرية.
ورغم محاولات التغريب التي قادها محمد علي باشا وخلفاؤه، ظلت الفكرة الجهادية كامنة حتى ظهور جماعة الإخوان المسلمين وتأسيس "النظام الخاص"، وصولاً إلى صراعات الجماعات الجهادية في السبعينيات والثمانينيات.
وإن قراءة تاريخ هذه الحركات ومسارات انكسارها يفرض تساؤلاً جوهرياً حول أسباب الفشل المتكرر، وهو ما يدفعنا لتحليل هذه "الحتمية" عبر ثلاثة عشر سبباً رئيسياً.
ولقد مرت الجماعات الجهادية في مصر بتجارب محبطة تركت آثارها دون أن تُفرد لها مراجعات معمقة، مما جعلها حبيسة الأدراج.
لذا، فإن استخدام منهجية الملاحظة والتحليل يصبح ضروريًا لفهم طريقة فشلها، وحتمية الكف عن عبثتيها، إيمانًا بأن "السلمية أقوى من الرصاص"، خاصة إذا صدرت هذه العبارة من صاحب تجربة جهادية وخبرة دعوية عميقة.
السبب الأول: عدم الاتفاق على المشروعية ذاتها
إن مشروعية العمل ووضوح معالمه الشرعية يمثلان ضرورة قصوى قبل أي تحرك للتغيير، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالدماء والمواجهات المسلحة.
ولا يُعد للعمل مشروعية إلا إذا كان مسبوقًا بالبحث عن أدلته، فالتدليل أولاً ثم العمل بالدليل.
ورغم أن الحركات الجهادية والتصرفات المسماة بـ "الجهاد" في ظل عدو واضح غير الملة (محتل) لا تحتاج إلى تبرير أو سبق بحث عن المشروعية والأحكام، لكونها "جهاد دفع"، والذي لا يشترط له شرط كما ذكر ابن قدامة في "المغني" [1].
إلا أن تحول الاحتلال إلى احتلال بالوكلاء والعملاء الذين يمثلون إرادته، أصبح يستدعي بيانًا تفصيليًا فقهيًا لحكمهم.
ولقد كان سيد قطب من أوائل من وضعوا أسس نظرية هذه المواجهة، مؤكدًا على مبادئ الحاكمية والكفر بالطاغوت، وأن "حقيقة الدين لله، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله"، كما قال ابن تيمية في تفسير قول الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) . ومن المفارقات أن "الجماعة الإسلامية المصرية" قبل مرحلة المراجعات، كانت تتخذ من هذه الآية شعارًا لها.
1.1. أزمة توصيف النظام:
ومن هنا نشأت فكرة "النظام الكافر" التي تبنتها الجماعات الجهادية السلفية أو القطبية. لكن الإشكالية تمثلت في عدم الاتفاق على توصيف تفاصيل قتاله.
فقد وصفت جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسها الشيخ يوسف القرضاوي، السلطة في مصر بـ "البغاة المتأولين" [2]. وذهبت دراسة شرعية صادرة عن مجموعة محمد كمال في نفس الاتجاه.
في المقابل، وصفتها الجماعات الجهادية بأنها "طائفة ممتنعة عن إقامة الشرائع"، وانعقد الإجماع على قتالها. في حين، اتخذت "السلفية العلمية" موقف المشكك، بلا وصف مقنع أو قاطع، في منهجية الهدم التي غالبًا ما اتسمت بالعشوائية الفكرية.
1.2. تباين التوصيفات الشرعية:
ثم تباينت الجماعات الجهادية نفسها في تفاصيل تنزيل الأحكام. فقد توسع بعضهم في تكفير كل العاملين في الوزارات والأجهزة السيادية، حتى عامل الشاي، على حد وصف البعض.
في حين، اقتصر آخرون على تكفير المقاتلين فقط من هذه الطائفة، في سياق مواجهة "المجاهدين" لـ "عودة الدين".
هذا التباين في التوصيف التفصيلي، حتى داخل التيار الواحد، وغياب الدراسات أو المرجعيات الحاسم، أدى إلى صعوبة حسم المسألة.
و حتى دراسة "الطائفة" التي أصدرتها "الجماعة الإسلامية" في الثمانينات اختفت، في مقابل ظهور دراسات سلفية موجهة تهدف إلى هدم الفكرة من مبناها إلى منتهاها.
السبب الثاني: عدم وضوح الفكرة وقوة الطرح وجعلها نخبوية
لقد تعاملت الجماعات نفسها مع عزلة فكرة "مواجهة السلطة" دعويًا أو عسكريًا، باعتبارها "غربة الدين". واعتبرت أن "الطليعة المقاتلة" هي "الطائفة المنصورة" المنبثقة من "الفرقة الناجية".
ولهذا، فإن تيار "سلفية الولاة" (المداخلة)، أو من سار على نهجهم دون قصد من "السلفية المستقلة"، يشيرون إلى أن "الطائفة المنصورة" هم "أهل الحديث".
ويقصدون بذلك من يشتغلون بعلم الحديث. وعلى الرغم من أن السردية متضاربة في الفصل بين العلمي والعملي، إلا أنها تخيلية بحتة.
فالمقصود تاريخيًا بـ "أهل الحديث" هم "أهل السنة والجماعة"، والذين لم يفرقوا بين النظري والعملي، والجهادي والدعوي. وقد كان كثير من أهل الحديث مرابطين في الثغور وفي الصفوف الأولى من النزال، وأشهرهم ابن تيمية، أيقونة السلفية المعاصرة وملهم تياراتها بالأفكار والأدلة والاختيارات الفقهية.
1.3. العزلة الاجتماعية والمشروعية:
باتت "الغربة الاجتماعية" و"المشروعية" لقضية التحرر الديني والوطني من تبعية الأنظمة العميلة، تعاني من العزلة داخل التيارات الإسلامية ذاتها.
وحرصت السلطة على توسيع هذه الفجوة للقضاء على حركات المقاومة المسلحة الجهادية، العملية أو النظرية. وفي وقت من الأوقات، وخاصة في حقبة الثمانينات إلى عام 2011، أتاحت السلطة المصرية لجماعة الإخوان وغيرها من الحركات السلمية السلفية التمدد للقضاء على التيار الجهادي، في ظل نظرية توازن القوى.
1.4. تعميق العزلة:
مما عمق العزلة للفكرة الجهادية ومعتنقيها، ودفعهم للخروج منها بالمراجعات الفكرية. هذه المراجعات لا تعدو كونها تكرارًا لما وصف بـ "شبهات" استفاضوا في الرد عليها سابقًا. لقد أكدت هذه المراجعات غربة الفكرة وقلة الحاضنة الشعبية المطلقة، مما جعل الفشل في إطار الحتمية.
السبب الثالث: الطبيعة الديموغرافية والاجتماعية للمجتمع المصري
إن مصر، بطبيعتها الديموغرافية والاجتماعية، أرض مسطحة بالكامل، مما يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد حاضنة جغرافية للانطلاق للعمل الجهادي المسلح، خاصة مع عدم وجود حاضنة اجتماعية. فلم تعد لهذه التنظيمات والمجموعات مكان تأوي إليه أو تحتمي فيه، وسط عدم القبول الفكري والاجتماعي لتبعات الفكرة داخل المكون الشعبي.
أصبح من السهل انكشافها والوصول إليها وإلى معتنقيها. هذا بحد ذاته جعل وجود هذه الحركات غير مجدٍ ولا فاعل. وقد أشار لهذا واحد من كبار المنظرين الجهاديين، أبو مصعب السوري، قائلاً: "إن الأراضي المسطحة جغرافيا لا تصلح بحال للعمل المسلح حتى في وجود القبول الاجتماعي" [3].
السبب الرابع: عدم وجود الدولة الداعمة المجاورة
لقد أثبت التاريخ أن نجاح أي حركة تحرر أو حركة مسلحة جهادية كان مرهونًا بوجود دولة داعمة.
ولعل الجهاد الأفغاني في العصر الحديث مثال أوضح على ذلك، حيث لم يكن لينجح لولا دعم باكستان الجارة والدعم الدولي العام.
وحتى البوسنة والهرسك، لولا التوازنات الدولية، ما نجت من الإبادة.
وسوريا، لولا تركيا، ما نجحت الحركات المسلحة في التوحد أو الوصول إلى الحكم. أما الحركة التي ليس لها ظهير، فوجودها واستمرارها يكون محدودًا.
أما مصر، فالمحيط الجغرافي غير داعم، والمحيط الدولي العام غير قابل لوجود حركات جهادية مسلحة.
ومع هذه العوامل، يصبح الفشل للمشروع الجهادي في مصر أمرًا حتميًا.
السبب الخامس: البنية التنظيمية الدعوية للحركات
إن وجود حركة يتطلب نشر الفكرة، ونشر الفكرة في مجتمع مفتوح وتنظيم مفتوح يعني كشف مصدرها مبكرًا، وهذا يتعارض مع البنية التنظيمية المسلحة.
فالأولى دعوية معلنة، والثانية سرية مغلقة. إن كشف المعلنة للسرية وسط مجتمع وحركة إسلامية عامة رافضة للفكرة وتبعيتها، يعجل بوئدها قبل تماسكها ويحول دون استمراريتها. وحتى فكرة أبو مصعب بوجود مجموعات مصغرة في مكان واحد تحمل الفكرة لتتحرك بها دون أن يعرف بعضها بعضًا، تمثل قمة "الهراء الحركي".
إذ إن انكشاف أمر مجموعة نتيجة عمل ساذج كفيل بكشف سلاسل المجموعات الأخرى، في ظل سياسة توسيع دائرة الاشتباه التي اكتسبتها الأجهزة الأمنية.
ولهذا، كان من المستحيل تحول حركة الإخوان أو جزء منها إلى حركة مقاومة مسلحة، حتى بعد الانقلاب، كما يطالب البعض في اطروحاته، كمجال للتشكيك والهدم.
ويجعلون إعراضها عن هذا الأمر سبيلًا لانتقاد الحركة وصرف أبنائها عن اختيار السلمية. فهي واقعًا لا تملك أبجديات التنظيم والعمل الحركي المسلح، فضلاً عن تولد هذه الفكرة من أصحاب الجانب الدعوي والبنية التنظيمية الدعوية.
الأمر الذي يحول بين وجود الفكرة واستمراريتها من الأصل، رغم وجود المشروعية العامة النسبية بعد انقلاب الجيش على السلطة، التي مثلت غالبيتهم من الإخوان والحركة الإسلامية.
السبب السادس: افتقار الحركات الجهادية في مصر للمتخصصين
حتى في حال وجود متخصصين، فإن خبراتهم غالبًا ما تكون محدودة. لم تسع الجماعات لتحصيل المتخصصين أكاديميًا أو باجتذاب أصحاب الخبرات. فهم لا يملكون أجهزة معلومات إحصائية أو مخابراتية، ولا كوادر تقنية عسكرية أو تنظيمية تصلح لبناء هيكل متخصص قابل للمواجهة.
ورغم أن جماعة الإخوان المسلمين، في عهد الاحتلال الإنجليزي، قد قطعت شوطًا كبيرًا في "التنظيم الخاص"، إلا أنهم بعد وصولهم إلى الحكم، لم يسعوا لذلك، معتمدين على تصور إمكانية استخدام أجهزة الدولة العميقة، والتي بدورها انقلبت عليهم بسرعة البرق.
ولم يحاولوا الاستعانة بدول كانت تؤيدهم لإيجاد البديل، ربما للعجز أو عدم الملائمة والقدرة.
فضاعت عليهم فرصة عمل "حرس ثوري" أو جناح لحماية مكتسباتهم، على الرغم من وجود نماذج في الدول المحيطة كانت تصلح للاستنساخ.
هذا السبب، مع وجود دولة مركزية متعاظمة القوى وقوية التنظيم بلا منافس، جعل من المستحيل منطقيًا تولد أو استمرارية فكرة العمل الجهادي المسلح في مصر.
السبب السابع: القراءة التاريخية وديناميكية التغيير في مصر
على مر التاريخ، لم يشهد التغيير في مصر ظهور جماعة داخلية متمردة على النظام.
وثورة 1952 ليست حالة ثورية، بل هي انقلاب داخل النظم لتتوافق مع النظام العالمي السائد في العلم. وهذا الانقلاب جاء ليتوافق مع قطبي العالم الجديد: أمريكا وروسيا. ولا يعد انقلاب 1952 في مصر خارج هذا الإطار.
بل إن وصف المفكر محمد جلال كشك له بأنه "ثورة يوليو الأمريكية" هو الوصف الأدق. فغالب التغيير التاريخي يأتي من خارج مصر، ولذلك حملت مصر في فترات حكمها دول كاملة لحركات خارجية، منذ عهد الرومان، والفتح الإسلامي، والدولة الفاطمية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية، ودولة محمد علي، ثم أولاده، وصولًا إلى انقلاب يوليو 1952 كآخر مرحلة من مراحل الاحتلال بالوكالة.
السبب الثامن: التسرع في المواجهة الناتج عن بساطة التصور
يظهر التسرع في المواجهة بوضوح في الحركات المعاصرة، كحركة "الفنية العسكرية".
ويتسم هذا التصور بسذاجة تدعي: أن مجموعة صغيرة في مكان ما يمكن أن تخلع النظام المركزي في حركة واحدة، دون دعم خارجي وتنسيق دولي.
وهذا الأمر بحذافيره نفذته حركة "الجهاد المصرية" و"الجماعة الإسلامية" في الثمانينات، ومحاولة اغتيال السادات، وما تلاها من انقلاب على السلطة في حركة واحدة خاطفة. كان نتاج ذلك القضاء على الحركتين. وتكررت الأخطاء بصورة غريبة في مواجهات هذه الجماعات مع السلطة، نتيجة التسرع وتصدر الشرعيين غير المؤهلين وأصحاب الولاءات الجهلة في كل مسائل الحركة. وكانت السمة الغالبة هي التسرع المهلك، والتصدر غير المتخصص، مع بساطة التصور التي تحول دون نجاح أي مواجهة مسلحة للنظام المصري.
السبب التاسع: افتقار الربط بين الجانب الشرعي والسياسي والعسكري
يغيب عن الجماعات الجهادية في مصر الربط بين الجوانب الشرعية والسياسية والعسكرية. مع عدم التقدير التخصصي لقوة النظام وأساليب مواجهته بصورة متكاملة تكافئ ما يفعله النظام تجاه معارضيه.
أما ثقافة "اضرب واهرب"، فهي ثقافة حماسية عقيمة لا تحدث أي تغيير.
وللأسف الشديد، فإن الأسلوب لم يتغير. بل نصت بعض الاتجاهات في أدبياتها على أنها تقود "حرب عصابات لا تقيم نظام، بل تزعزعه". فلو كان الأمر مجرد زعزعة، فلماذا استنزاف طاقات حركات التغيير؟ وتصاعد الأمر إلى ذروته حتى كتب المقدسي رسالة: "لكيلا يكون الشباب وقودًا للمعارك"، تحذيرًا من استمرار استنزاف الوقود الضائع، ودعوة للقادة للانتباه لهذه العبثية المتأصلة.
السبب العاشر: سيطرة الحركيين على المتخصصين
على الرغم من أن بعض الحركات الإسلامية قد تضم متخصصين في السياسة والاقتصاد وغيرها، إلا أن الحركات الجهادية غالبًا لا تعترف بالتخصصات ولا تقدمها على الولاءات. فالاتجاهات الأخرى تجدهم يضعون متخصص السياسة في رعاية النشأة، ومتخصص الاقتصاد في العمل الخدمي، وهكذا.
حتى باتت الحركات الإسلامية في مصر، وعلى رأسها الجهادية، مقبرة للتخصصات. وقد ضرب "الدواعش" المثل الأعلى في هذا التخبط، حيث ساقوا متخصصين في الاتصالات والكمياء وغيرهم إلى العمليات الانتحارية، بلا أدنى مراعاة لكم الكفاءات التي ضحوا بها، ظنًا منهم أنهم سيغيرون واقعًا أليمًا. غير أن الألم والخزي والإهمال المتعمد أشد ألما وأكثر فجاعة.
السبب الحادي عشر: عدم استيعاب وجود حكومة مركزية متجذرة
لا تستوعب الحركات الجهادية وجود حكومة مركزية متجذرة في أعماق المجتمع، قادرة على الصمود أمام "التهويشات العنترية" للحركات الجهادية.
ورغم أن هذه الحركات قد تسبب للنظام ألمًا وإزعاجًا في بداية الأمر، إلا أنها في النهاية تكون قيد الشرك الأمني، ويكتسب النظام خبرات جديدة وتراكمية في التعامل مع مثل هذه الحركات الفوضوية. ومن لا يفهم قوة ومركزية النظام المصري، عليه مطالعة كتاب "نزيه أيوبي" عن "نمو الجهاز الإداري وعلاقته بالسلطة": "إن تضخم الجهاز البيروقراطي في مصر لم يكن تعبيرًا عن قوة الدولة في مواجهة المجتمع، بقدر ما كان وسيلة لاحتواء هذا المجتمع وتحويل قواه الحية إلى مجرد أجزاء في ماكينة الإدارة الحكومية... وبذلك يصبح التغيير السياسي مستحيلاً دون تفكيك هذه الماكينة التي تتماهى فيها الدولة مع المجتمع" [4].
إن التغيير للنظام بالطرق التقليدية من الصعوبة بمكان، لأنه ليس "فوق" المجتمع فحسب، بل هو "متغلغل" في تفاصيله اليومية. فالدولة هي الخصم والحكم، وهي الموظف والمنتج، وهي التي تضع قواعد اللعبة وتراقب تنفيذها.
مما يجعل أي محاولة للخروج عن هذا المركز بطرق سلمية تبدو كأنها خروج عن "النظام العام" للحياة نفسها، فما بالك بطريقة عسكرية ومواجهات دامية خاسرة حتما لعدم تكافئ القوى.
الثاني عشر: افتقار البنية الاجتماعية لعامل العصبية والقبلية
يفتقر المحيط الاجتماعي المصري لعامل مهم من عوامل نجاح أي ثورة، وهو عامل "العصبية والقبلية" التي تحمي الفصيل والدعوة التي اختارت المواجهة المسلحة، حتى لو توفرت لها المشروعية.
ويشير ابن خلدون في مقدمته لضرورة العصبية للمطالبة والمواجهة: "إن المطالبات كلها والمدافعات لا تتم إلا بالعصبية، لما فيها من التناصر والتعاضد" [5].
وعندما تفقد المجتمعات "البأس"، وتعتمد على السلطة "الحاضرة"، وكلت أمر حمايتها للوالي والجند، فإنها تركن إلى الدعة. بينما ليس لدى البدو (أهل العصبية) حامية تحرسهم، فصار أمر الحماية إليهم، فامتنعوا بأسهم وشجاعتهم [6].
بل على العكس، اعتمد النظام في تماسكه، كما وصف الأيوبي، على "العصبية المركزية للسلطة ورجالها" فقال: "إن الدولة في مصر لا تستند إلى 'عصبية' بالمعنى الخلدوني التقليدي (أي القرابة القبلية)، بل تستند إلى 'عصبية مصلحية تكنوقراطية'، حيث يشكل الجهاز الإداري المتضخم الكتلة الحرجة التي تحمي النظام وتمنع أي تغيير جذري قد يهدد استقرارها الهيكلي" [7].
ويضيف في سياق آخر حول صعوبة الثورة أو التغيير من الخارج: "المشكلة في مصر ليست في قوة السلطة السياسية فحسب، بل في أن المجتمع نفسه قد تم 'تبيرقه' (من البيروقراطية). فالدولة هي التي تمنح المشروعية، وهي التي تمنح الرزق، وهي التي تنظم الفضاء العام، مما يجعل الخروج عليها خروجًا على منطق العيش نفسه" [8].
هذا العامل مهمل في حسابات أصحاب دعاوي المقاومة المسلحة للنظام في مصر.
والذين، حتى لو حققوا بعض التجارب الفاشلة في مناطق بها نوع من العصبية كسيناء والصعيد، فإن عصبية الدولة وروابطها كانت أقوى وأنجع، ولهذا السبب كان فشل الحركات المسلحة كان حتميًا.
الثالث عشر: عدم فهم الطبيعة الثورية للشعب المصري واقتناص فرصة التحرك
يقول أسامة حميد: "إن حركة الجماهير في مصر ليست فعلاً يوميًا أو دوريًا سهلًا، بل هي انفجار يأتي بعد تراكم هائل من الضغط والكبت، وغالبًا ما يفصل بين الهبة الكبرى والتي تليها مدة تقارب النصف قرن، وهي الفترة الكافية لظهور جيل جديد ينسى مرارة انكسار الجيل الذي سبقه، ويكون مستعدًا للمغامرة من جديد" [9].
ويستشهد تاريخيًا بالفوارق الزمنية بين الأحداث الكبرى:
وتلتها فقدان الفرصة في ثورة 2011، حيث استنفد المخزون النفسي للثورة، مما أدى إلى استنفاد "الأمل" لدى الأجيال التي شاركت فيها. والانكسار الذي أعقب 2011 أدى إلى حالة من "الاعتزال السياسي" الجماعي، وهو ما يفسر العودة لحالة الكمون التي قد تستمر عقودًا حتى يظهر جيل "غير مأزوم" بتجربة 2011.
الخلاصة المأساوية لمنطق "الدورات الزمنية"
إذا اعتبرنا أن 2011 هي انفجار متوسط الخمسين عامًا، فإن المنطق التاريخي يشير إلى أن المجتمع قد يحتاج إلى "فترة نقاهة أو كمون طويلة" قبل أن يمتلك القدرة النفسية والمادية على المحاولة مرة أخرى. لأن "فرصة الزخم" التي تتوفر عند اهتزاز المركزية لا تتكرر كثيرًا. وهذا الأمر، مع سابقاته، يتناساه أصحاب دعوات المواجهة بلا خطط طويلة الأمد.
تؤكد هذه الملاحظات على استحالة نجاح الحركات المسلحة في تغيير النظام في مصر، وأن شعار "سلميتنا أقوى من الرصاص" لم يكن اعتباطيًا ساذجًا كما تصور البعض، بل هو اختيار فقهي تدل عليه الأدلة الشرعية المستفيضة وواقعي تدل عليه الملاحظة والتحليل المنهجي.
الدليل الشرعي:
يستدل على ذلك بقول الله عز وجل: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) [النساء: 98]. وقوله: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ التوبة: 91]والمستضعف لا يكلف بخوض معركة لا طائل من ورائها غير استئصال شأفة الدعوة في تحريرات الأئمة ومنها:
إننا لسنا مطالبين في ظل واقع أليم بغير استخدام كل الوسائل التي نحافظ بها على بيضة هذا الدين، على أن تكون متاحة وقابلة للتطبيق.
وليس هذا المقال مجالًا لسردها، بل هو إطلالة على أحد الأساليب الفاشلة في المواجهة حتمًا شرعيًا وتاريخيًا وحركيًا.
المراجع:
هذا المقال مختصر بحث أكاديمي للكاتب لم ينشر بعد، ولكن تم اختصار البحث ليناسب القارىء المهتم بهذا الموضوع.
[1] ابن قدامة، المغني، دار عالم الكتب، ج 13، ص 10. (أو ج 10، ص 364 حسب الطبعة).
[2] يوسف القرضاوي، فقه الجهاد، مكتبة وهبة، ج 2، ص 850-860.
[3] أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم)، دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، ج 2، ص 890-900 أو الجزء1 ص1332 بترقيم الشامله.
[4] نزيه أيوبي، الدولة المركزية في مصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 195-212.
[5] ابن خلدون، المقدمة، دار القلم، ص 187.
[6] ابن خلدون، المقدمة، دار القلم، ص 115.
[7] نزيه أيوبي، الدولة المركزية في مصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 212.
[8] نزيه أيوبي، الدولة المركزية في مصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 195.
[9] أسامة عبدالله حميد، الحركة الإسلامية في مصر: ما بين الإصلاح والراديكالية، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ص 45-50.
[10] الباجي، المنتقى شرح الموطأ، دار الكتب العلمية، ج 3، ص 16.
[11] ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، دار ابن حزم، ج 2، ص 413.
[12] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 28، ص 12.
[13] العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، ج 1، ص 95.
Comments