By عبد الله المصرى on Tuesday, 29 July 2025
Category: مدونات عربية

عبدالله رشدي وتديين الخيانة: تبرير الحصار باسم الشرع

​​

حين يتحوّل الخطاب الديني إلى ستار للخذلان، ويتصدّر المشهد من يلبس عباءة "الشرع" ليبرّر الصمت، ويُعقّم مشاهد الدم والظلم من كل أثر للغضب والغيرة والنخوة، فاعلم أن هناك خللاً كبيرًا ليس في النصوص، بل في النفوس.

عبدالله رشدي، في منشور أمس على حسابه الشخصي بموقع فيسبوك، خلط الأوراق، ورسم طريق تبرير المواقف السياسية الرسمية في مصر تجاه غزة، على مفاهيم شرعية، وقد قدم نموذجًا صارخًا للخلط بين الدين والترويج السياسي، بل وتجميل الخيانة وتسويقها بثياب "الفقه والمصلحة".
ولنبدأ تفنيد كلامه بندًا بندًا:

إعلان الجهاد
مفهوم "تصرف ولي الأمر"

قال: "إعلان الجهاد ليس مسؤوليتي، بل هو من تصرفات ولي الأمر فقط، ولا مسؤولية عليّ ولا على أي شيخ على الكوكب." وهذا الكلام صحيح من جهة جهاد الطلب، أي الجهاد الذي يبدأه المسلمون خارج حدودهم، فهذا يُشترط له إذن الإمام، وتنظيمه السياسي والعسكري.
أما جهاد الدفع، وهو ما يحدث الآن حين يهاجم العدو أرض المسلمين، كما في حالة غزة، فهو فرض عين على كل مسلم قادر، ولا يُشترط له إذن أحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين، فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم." (الفتاوى الكبرى 4/608).

كما أفتى العديد من الأئمة بوجوب جهاد الدفع دون إذن الإمام، منهم الإمام القرطبي في تفسيره حين قال: "إذا نزل العدو ببلد من بلاد المسلمين وجب على أهلها قتالهم ودفعهم، وكان فرض عين عليهم، ولم ينتظروا إذن الإمام." (تفسير القرطبي 8/151).

فالمسألة ليست إذن ولي أمر في جهاد الدفع، بل هي مسؤولية فورية لا تؤجل ولا تُعلّق على قرار سياسي.

مسؤولية العبد
التكليف الشرعي

قال أيضاً: "أنا غير مسؤول عن هذا الملف جملة وتفصيلًا، الحاكم وحده مسؤول عنه." وهذا خطأ في فهم التكليف الشرعي. الله عزّ وجل لا يحاسب العبد على ما لا يملك، لكنه يحاسبه على ما يستطيع. فالجهاد لا يعني حمل السلاح فقط، بل يشمل: التوعية، التحريض على النصرة، جمع التبرعات، كشف الخونة والمتآمرين، والإنكار العلني للظالمين.
فمن سكت وهو قادر على الكلام، أو رضي وهو قادر على الإنكار، فقد شارك بالإثم. والنبي ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان." (صحيح مسلم 49).

ولم يقل: فلينتظر بيان الحاكم.
وقد أكد الإمام النووي في شرح هذا الحديث على وجوب تغيير المنكر على كل من رآه، بحسب قدرته.

دور العلماء
العلماء الصادقون

قال أيضاً: "العلماء يذكّرون ويوصون الحاكم فقط، دون افتئات أو إعلان عام." وهذا نموذج مستورد من أنظمة التسلط، وليس من هدي العلماء الصادقين.
فأين هو من أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أنكر على مروان بن الحكم عندما خالف السنة في خطبة العيد، حيث بدأ بالخطبة قبل الصلاة وأخرج المنبر،
فجذبه أبو سعيد الخدري وقال: "يا مروان، أليس قد نهيت أن يخرج المنبر في العيد؟!" (صحيح مسلم 891).

وأين هو من الإمام أحمد بن حنبل الذي قال كلمة الحق في وجه ثلاثة خلفاء (المأمون، المعتصم، والواثق)، وسجن 28 شهرًا، وعُذب تعذيبًا رهيبًا، وتناوب على ضربه بالسياط مائة وخمسون جلادًا، ولم يتخل عن رأيه في أن "القرآن كلام الله غير مخلوق". وقد أدخلوا عليه عمه (إسحاق بن حنبل) ليقنعه باعتناق رأي الحكام ولو تقية – أي تظاهرًا – فرفض وقال: "يا عم إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟" ثم قال: "كيف يصنعون بحديث خباب بن الأرت: "إن كان من قبلكم يُنشر أحدهم بالمنشار، ثم لا يصده ذلك عن دينه"؟".

والعز بن عبد السلام الذي اشتهر بشجاعته، وكان قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، وقدوة في العلم والورع والشجاعة، حتى سمي "سلطان العلماء". وقد أنكر على الملك الصالح أيوب بيع أملاك الدولة وفتواه بجواز ذلك،

وقال له: "فما الذي حملك على بيع ما لا تملك؟" (طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/212).

فالقول إن "الشيخ لا يتدخل" يناقض دور العالم كميزان للأمة، وموجه للناس، وناصح للأمراء إن عدلوا أو ظلموا.

المصلحة والمفسدة
توظيف انتقائي
ما قاله: "لو ترتب على الدفع ضرر أعظم، فيُترك. والحاكم هو من يقدّر المصلحة." فإن قاعدة "المصلحة والمفسدة" لا تعني السكوت على الظلم المطلق. ولا تعني قبول خنق مليون ونصف مسلم في غزة بحجة التروي. ولا تعني اعتبار كل مقاومة ضررًا، وكل جريمة تسكت عنها "مصلحة".
ثم السؤال: من الذي يقدّر المصلحة؟ وهل من "المصلحة" إغلاق المعبر؟ ورفض إدخال المساعدات؟ والتواطؤ مع الاحتلال علنًا؟ هذا ليس تقدير مصلحة، بل شراكة في الجريمة.

وقد قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين: "المصالح الشرعية هي التي جاء الشرع بتحصيلها، لا التي يراها العقل المجرد عن الشرع." (إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/14).
والمصلحة لا تكون على حساب الدماء والأعراض والأوطان.

من المسؤول؟
لماذا السكوت؟
عبدالله رشدي لم يُطالب بإعلان الجهاد، بل الناس تسأله: لماذا تبرر موقف من يمنع الطعام عن الجائعين؟ لماذا لا تذكر أن السيسي قال إنه وافق على تهجير أهل غزة إلى النقب؟ لماذا لا تذكر أن محامي الاحتلال في المحكمة الجنائية قال إن مصر مسؤولة عن إدخال المساعدات؟ هل الدفاع عن الظالمين جزء من الفقه الذي تعلمته؟ أم أن السكوت عن الحق صار عبادة؟

وقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما هلكت أمة حتى سكت علماؤها عن الحق".

فقه الانتقائية
غلاف الشرع
عبدالله رشدي: أثنى على السيسي وقال عنه "متدين وتربية الشعراوي"، وقال إن وزارة الدفاع تقوم بأحلى جهاد، رغم جرائم سيناء، وانتخب شفيق والسيسي، وامتدح مبارك وأولاده، وهاجم من قال إن السيسي يحارب الأزهر، وقال: "مايتسابوش كدا". ثم يقول: "أنا لا أُطبل لأحد، ولا أكتب ما لا أعتقده."

الحقيقة: ما تفعله هو التطبيع الكامل مع الظلم، مغطى بغلاف ديني ناعم. تحاول أن تُقنِع الناس أن "الإيمان بالحاكم" طاعة لله، حتى لو خذل المسلمين وباع قضاياهم. وهذا عين ما سماه الله: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله" (التوبة: 31).
وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أن الطاعة العمياء لأوامر المخالفة لشرع الله هي بمثابة اتخاذهم أربابًا (تفسير ابن كثير 4/139).

كفاك تبريرًا
للهوان والخيانة
ما تقوله ليس فقهًا، بل "هندسة للسكوت"، وتصميم لفكرة "أنت مش مسؤول"، و"خليك بعيد". بينما الإسلام علمنا أن: نقف في صف المظلوم، وننكر على الظالم، ونقول الحق مهما كلفنا.
كفاك تديينًا للخيانة. كفاك تحويلك للأمة من شاهدة إلى هامدة. كفاك قتلًا لروح النصرة باسم الواقعية. وقد قال رسول الله ﷺ: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر." (سنن أبي داود 4344، وصححه الألباني). وهذا دليل واضح على أهمية جهر العلماء بالحق وعدم السكوت على الظلم.

الانحياز للحق
خيانة مواربة
وأخيرًا: إذا كان عبدالله رشدي يرفض الانحياز إلى الجهاد، فلا أقل من أن ينحاز إلى الجائعين، إلى المرضى، إلى المظلومين خلف المعابر. أما أن يبرر موقف من أغلق المعبر، ومنع الدواء، وساوم على التهجير، فهذا لا يُسمى فقهًا، ولا حكمة، بل خيانة مواربة بلغةٍ دينية.

اللهم إنا نبرأ إليك من كل من خذل أهلنا في غزة، وسوّغ حصارهم، ودافع عن قاتلهم. اللهم اجعلنا من الذين يقولون الحق لا يخافون فيك لومة لائم. وحسبنا الله ونعم الوكيل. والله ما بين الظلم والحق منطقة رمادية. إما أن تكون مع الأمة.. أو مع من يخنقها.