By عبد الله المصرى on Sunday, 29 June 2025
Category: مدونات عربية

مصر بعد 30 يونيو: مسرحية كبرى أم واقع مرير؟

بعد أن اهتزت أركان السكون في يناير 2011، وصدحت الحناجر بشعارات "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" التي رُفعت في ساحات التحرير، بدا وكأن مصر قد قررت أخيرًا أن تخلع ثوبها القديم وترتدي حلة جديدة من "التحول الديمقراطي". كانت الوعود تتدفق كشلال، ترسم في الأفق صورة وردية لمستقبل مشرق، حيث يزهر العدل وتنتعش الحريات. فقد أشار تقرير لـ"مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" في عام 2012 إلى أن مصر كانت في قلب "عملية انتقال معقدة" بعد سقوط مبارك، وأن هناك آمالاً كبيرة معلقة على "مستقبل ديمقراطي" (Ottaway & Hamzawy, 2012). لكن يبدو أن "القدر"، أو ربما "المخرج"، كان يخبئ سيناريو مختلفًا تمامًا، سيناريو يعيد المشهد إلى نقطة البداية، ولكن هذه المرة مع ديكورات أغلى بكثير وإضاءة أكثر درامية، وبطولة "المخلص" الذي لا يخطئ.
لقد تحولت رحلة "التحول الديمقراطي" المزعومة إلى سلسلة من التقلبات التي أثبتت أن الحماس الثوري الأولي، مهما كان صادقًا، غالبًا ما يفسح المجال لدورات متوقعة من صراعات القوى. فبدلاً من أن تمضي الأمة قدمًا نحو تحقيق تلك الأهداف النبيلة، وجدت نفسها تدور في حلقة مفرغة من تغيير الوجوه مع الحفاظ على نفس الآليات القديمة للسلطة. إن "تصحيح المسار" الذي أعلن عنه لاحقًا، والذي كان من المفترض أن يستعيد أهداف ثورة 2011 (Lynch, 2016)، أفضى في الواقع إلى "عودة إلى الاستبداد" و"إعادة إحياء للدولة البوليسية" (Fakhrany, 2014). لقد كانت "الجمهورية الجديدة"، بتفاصيلها المعمارية الفخمة، مجرد واجهة حديثة لنظام قديم، حيث الأساليب القمعية والسيطرة العسكرية هي جوهر الحكاية (El-Ghobashy, 2016)، مما يثير تساؤلاً ساخرًا: هل كانت تلك الثورات مجرد فصول في مسرحية كبرى، أم أنها كشفت عن واقع مرير لم يتغير كثيرًا، واقع يستمتع بتغيير الوجوه دون المساس بالجوهر؟ وكأن الشعب كان يصفق لمسرحية "سيزيفية" لا تنتهي، حيث يدور الحجر ويعود الجبل من جديد.

عهد الإخوان المسلمين: كوميديا الأخطاء السياسية

عندما اعتلى الإخوان المسلمون سدة الحكم في مصر، بعد سنوات طويلة من العمل السري والمعارضة، كان الترقب كبيرًا. فجأة، وجدوا أنفسهم أمام تحدي إدارة دولة بمشاكلها المتجذرة، وليس مجرد تنظيم جماعة. وما لبث أن اتضح أن "الخطة الرئيسية" التي طالما تحدث عنها مريدو الجماعة، لم تكن موجودة إلا في مخيلتهم، أو ربما كانت "خطة سرية للغاية" لم يُصرح بها لأحد، حتى لمن كانوا في السلطة.

الاقتصاد على حافة الهاوية: عندما تتحول الوعود إلى أرقام حمراء
ورث الإخوان اقتصادًا كان يعاني بالفعل من علل مزمنة، فلقد كانت مصر تواجه "تباطؤًا اقتصاديًا حادًا" حتى قبل عام 2011 . في عام 2012، بالكاد حقق الاقتصاد نموًا متواضعًا بنسبة 1.8%، مقارنة بـ 1.7% في عام 2011 . كانت الأنشطة الاقتصادية قد زادت في معظم القطاعات، لكن الصادرات تقلصت بنسبة 0.5 نقطة. المحرك الرئيسي للنمو كان الطلب المحلي، الذي ساهم بـ 5.1 نقطة، منها 3.6 نقطة من الاستهلاك الأسري وحده، بينما انكمش الطلب الخارجي بنسبة 3.3 نقطة بسبب زيادة الواردات . وكأن المصريين قرروا أن يدعموا اقتصادهم بالاستهلاك الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب الميزان التجاري، في خطة اقتصادية "عبقرية" تعتمد على "الشراء يا مواطن".
أما العجز في الموازنة العامة، فقد استمر في تجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2010-2011، نتيجة لتراجع الإيرادات وزيادة الإنفاق . وقد بلغت الزيادات في رواتب القطاع العام والمساعدات الاجتماعية والمنح 25% من إجمالي الإنفاق، أي ما يعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي . كانت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار "حاسمة" للسلطات المصرية، إذ كان من شأنها تسهيل الحصول على مساعدات جديدة من البنك الدولي ومؤسسات مالية دولية أخرى . أما الإصلاحات المالية، التي أُعلن عنها مرارًا وتكرارًا، مثل الانتقال إلى ضريبة القيمة المضافة، فقد ظلت حبرًا على ورق بسبب "الانتقال المستمر" (IMF, 2012, p. 14). كان الأمر وكأن الاقتصاد كان ينتظر أن يستقر المشهد السياسي ليقرر ما إذا كان سينمو أم لا، في مشهد ينم عن غياب رؤية اقتصادية واضحة، أو ربما رؤية "خيالية" لم تتحقق بعد.
إن غياب خطة اقتصادية متماسكة والخلل الداخلي في الجماعة (Brown, 2014) قد أسهما بشكل مباشر في عجزهم عن تنفيذ الإصلاحات المالية الضرورية وإدارة التحديات الاقتصادية القائمة. هذا الوضع دفعهم إلى الاعتماد المالي المتزايد على المساعدات الخارجية، مما قوض أي ادعاءات بالاعتماد على الذات أو بامتلاك رؤية اقتصادية فريدة (Ottaway & Hamzawy, 2012). تكمن السخرية في التناقض بين الوعود الكبرى أو الكفاءة المتصورة لحزب حاكم، وأدائهم الفعلي الذي اتسم بالتدابير التفاعلية والاعتماد المتزايد على القوى الخارجية. وكأنهم كانوا يتقنون فن "إدارة الأزمات" بالاعتماد على "المتبرعين"، لا فن "بناء الاقتصاد" على أسس صلبة.

الحريات المقيدة: عندما تصبح "الديمقراطية" مرادفًا لـ"المزيد من القمع"
تحت راية "التحول الديمقراطي" الذي أعقب ثورة 2011، شهدت مصر، بدلاً من انفتاح حقيقي، "زيادة في الملاحقات القضائية بموجب قوانين تقييدية من عهد مبارك" . وكأن الديمقراطية كانت مجرد قناع لتجديد حبس الصحفيين بتهمة "التشهير" و"نشر معلومات كاذبة" . لم يكتفِ الأمر بذلك، بل وصل إلى إغلاق محطات تلفزيونية وحجب ثلاث طبعات على الأقل من الصحف . وقد وجه المدعي العام اتهامات بالتشهير الجنائي ضد تسعة صحفيين على الأقل بسبب كتاباتهم أو برامجهم).
ولم تسلم "حرية التعبير" من تهمة "ازدراء الأديان"، حيث جرى استجواب أو اتهام 15 شخصًا على الأقل بهذه التهمة في عام 2012). أما الشرطة والجيش، فقد استمروا في "استخدام التعذيب" في أقسام الشرطة ونقاط الاعتقال، و"القوة المفرطة" التي كانت في بعض الأحيان قاتلة ضد المتظاهرين، مما أدى إلى "11 حالة وفاة في الحجز". كما تعرض المئات من المتظاهرين، بمن فيهم الأطفال، للتعذيب والضرب (Human Rights Watch, 2013). كان الأمر وكأن الثورة لم تكن سوى فرصة لتغيير الوجوه، لا الممارسات، مما يبرهن على أن تغيير القيادة لم يعن بالضرورة تغييرًا في أسلوب عمل الدولة، بل مجرد يد مختلفة تمسك بنفس القبضة الحديدية. وكأن "الديمقراطية" كانت "ورقة توت" لتغطية "عورة الاستبداد المتجدد"، حيث يتغير الممثلون وتبقى المسرحية على حالها.
الإخوان: أعداء أنفسهم: عندما تهدم الجماعة بيتها بيدها
في تحليل ساخر، يمكن القول إن الإخوان المسلمين، رغم تاريخهم الطويل وقوتهم التنظيمية، كانوا أسوأ أعداء لأنفسهم، فقد أظهروا موهبة لافتة في التدمير الذاتي من خلال سوء التقدير السياسي والعجز عن التكيف. ففي كتاب "الروابط المكسورة" ، يصف الباحثون حكم الإخوان المسلمين بأنه "عام كارثي من الحكم المدني" . لم يكن لديهم "خطة رئيسية" ، بل كانوا يتخبطون في الاستجابة للأزمات. لقد "انحنوا تحت ثقلهم الخاص، واستهلكهم الاقتتال الداخلي، وشلهم السم" .
لقد فشلوا سياسيًا وأيديولوجيًا وتنظيميًا. تحركوا نحو "الهيمنة السياسية بسرعة كبيرة" ، واعتقدوا أن فوزهم الانتخابي "تفويض شعبي لا رجعة فيه"، مما جعلهم يرفضون تقديم تنازلات للنخب العلمانية . كانت أيديولوجيتهم "ضحلة وانتهازية" ، وهيكلهم التنظيمي "جامدًا وهرميًا" ، يفضل الولاء على الكفاءة. لقد كانت "عقلية الغيتو"  و"العقلية التآمرية"  هي التي تحكم تصرفاتهم، مما أفقدهم الدعم الشعبي الذي كانوا يتباهون به. هذه القائمة الطويلة من العيوب الداخلية والأخطاء الاستراتيجية، بدلاً من القوة الخارجية الساحقة، تشير إلى سقوط ذاتي (Brown, 2014). إن السخرية تكمن في المفارقة بين منظمة تبدو قوية ومنضبطة تنهار بسبب نقاط ضعفها وأخطائها في التقدير، على الرغم من تحقيقها لموقع السلطة الذي طالما سعت إليه. لقد كانوا سبب هلاكهم، في مشهد أقرب إلى الكوميديا التراجيدية، أو "انتحار سياسي" على الهواء مباشرة.
مشهد 30 يونيو: الملايين مع هذا أم ذاك؟
كان يوم 30 يونيو 2013 بمثابة عرض مسرحي ضخم، حيث تراقصت الأرقام كأنها في مهرجان للعد الوطني، كل طرف يدعي امتلاك "الملايين" الخاصة به، في مسابقة غير رسمية لأكبر حشد جماهيري، وكأن الديمقراطية تقاس بعدد رؤوس "الكومبارس" في المشهد.
حشود "التفويض" وأرقام "الهليكوبتر": عندما يصبح العد هواية وطنية
في هذا اليوم، ادعت حركة "تمرد" جمع "أكثر من 22 مليون توقيع" على عريضتها المطالبة بتنحي مرسي . وفي المقابل، ادعت حملة "تجرد" المؤيدة لمرسي جمع "26 مليون توقيع" . وكأن الشعب المصري قد تحول فجأة إلى ماكينة توقيعات لا تتوقف، أو أن كل مواطن يمتلك عدة أيادٍ للتوقيع، في مشهد سريالي يثير الشكوك حول "هوية الموقعين" أو "حتى وجودهم".
لكن الذروة كانت في تقديرات الجيش، الذي أعلن، بعد "مسح بالمروحيات" للميادين ، أن عدد المتظاهرين قد بلغ "32 مليونًا" ، مما يجعلها "أكبر احتجاجات في تاريخ مصر" . هذا الرقم، الذي قفز لاحقًا إلى 33 مليونًا ، أثار "مخاوف المراقبين المستقلين" الذين قدروا الأعداد بـ"مليون إلى مليوني شخص" على مستوى البلاد . في ميدان التحرير، وصل العدد إلى "ما يقرب من 500 ألف" ، وفي الإسكندرية "أكثر من 100 ألف" . أما مؤيدو مرسي في رابعة العدوية، فقد قدروا بعشرات الآلاف (Kirkpatrick, 2013)، بينما ادعت "الحرية والعدالة" أربعة ملايين .
إن التضخيم الهائل للأرقام، خاصةً عندما يتناقض مع التقديرات المستقلة الأكثر تحفظًا، يكشف عن استراتيجية متعمدة لهندسة السرد. فقد أصبحت "كمية" المتظاهرين أكثر أهمية من "واقع" أعدادهم القابلة للتحقق، مما حول حدثًا سياسيًا معقدًا إلى عرض مبسط وساحق "للإرادة الشعبية" لتبرير نتيجة محددة مسبقًا. إنها كوميديا مبالغة في التلاعب الإحصائي لتحقيق مكاسب سياسية، حيث "الكثرة تغلب الشجاعة"، وحتى "المنطق".
شعارات الثورة وأغانيها: من "العيش والحرية" إلى "الوطن أولاً"
في هذا المشهد، كانت الشعارات والأغاني الوطنية هي الوقود الذي أشعل الحشود، لكنها كشفت أيضًا عن تحول في المزاج العام. فبينما كان المتظاهرون في 2011 يهتفون بشعارات شاملة مثل "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" التي تعبر عن آمال واسعة في التغيير الجذري، تحولت الشعارات في 30 يونيو 2013 إلى نداءات أكثر تحديدًا، تستهدف مرسي مباشرةً بـ"ارحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام" . بالتوازي، بدأت شعارات مؤيدة للجيش تكتسب زخمًا، مثل "الوطن أولاً" و"تحيا مصر" ، وكأن الشعب اكتشف فجأة أن "العيش والحرية" يمكن أن ينتظرا، لكن "الوطن" لا.
ظهرت أيضًا أغاني احتجاجية ساخرة، عكست وعيًا شعبيًا بالمسرحية السياسية الجارية. فبينما كانت أغنية "صوت الحرية"  تعبر عن التفاؤل الأولي، جاءت أغاني مثل "قلة مندسة" لياسر المناويشي ، التي تسخر من الخطاب الرسمي الذي يتهم المتظاهرين بالعمالة، و"الجحش قال للحمار" لرامي عصام ، التي تسخر من فكرة التوريث السياسي. إن هذا التطور في الشعارات والأغاني، من المثل الثورية الواسعة الموحدة إلى الرسائل المحددة، غالبًا ما تكون ساخرة وناقدة للنظام، يعكس حالة سريعة من خيبة الأمل واستغلال المشاعر الشعبية من قبل مختلف الفاعلين السياسيين (Moussa, 2013). هذا يظهر كيف أن المشاعر الشعبية، التي كانت في البداية عضوية، يمكن أن يتم استغلالها وإعادة توجيهها بسرعة لخدمة أجندات سياسية محددة، مما يحول الحماس الثوري إلى أداة لتحولات السلطة. وكأن "الربيع" تحول إلى "خريف" سريع، وبدلاً من أن تثمر الثمار، أُكلت هي نفسها في "وليمة سياسية".
ثورة "فريدة" من نوعها: عندما يتغير اسم اللعبة، لا قواعدها
يصف البعض أحداث 30 يونيو بأنها "ثورة 30 يونيو" (Lynch, 2016)، بينما يراها آخرون "ثورة مضادة" (Fakhrany, 2014) أو "انقلابًا" (El-Ghobashy, 2016). لكن ما يميزها حقًا، وفقًا لبعض التحليلات، هو أنها كشفت لأول مرة أن "الربيع العربي لم يكن نتاج قوى ديمقراطية" كما ادعى الكثيرون في الغرب والمنطقة، بل كان "تلاعبًا هرميًا منظمًا من قبل الإخوان المسلمين" (Lynch, 2016, p. 112). وكأن الإخوان كانوا "أرباب العرائس" الذين يحاولون التحكم في "دمية" الديمقراطية.
لقد "اقتلعت التصور الخاطئ بأن الإخوان المسلمين يتمتعون بدعم شعبي ومؤسسي واسع النطاق في مصر" ، وكشفت أنهم كانوا "يقوضون العمليات الديمقراطية" بدلاً من تنفيذها . أصبحت هذه "الثورة" "نموذجًا وإلهامًا مباشرًا" لإسقاط أنظمة أخرى ، وكأنها "يوم النصر" لإنهاء حكم الإسلاميين (Lynch, 2016). وبالطبع، لم تكن "ثورة بلا دماء" كما قد يتخيل البعض، فقد شهدت أعمال عنف ووفيات في عدة مدن، خاصة في أعقاب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، حيث سقط المئات، إن لم يكن الآلاف، من الضحايا (Human Rights Watch, 2014).
تكمن "الفرادة" بشكل ساخر في كيفية إعادة تعريف حدث عسكري. فبدلاً من أن يكون انقلابًا يحد من العمليات الديمقراطية، تم تسويقه بنجاح على أنه ثورة شعبية "أنقذت" الديمقراطية من تهديد متصور. هذا هو إعادة تعريف ساخرة لمفهوم "الثورة" لخدمة نتيجة سياسية محددة: استعادة دولة استبدادية مدعومة عسكريًا، ولكن بسرد جديد أكثر "شرعية" (El-Ghobashy, 2016). وكأن "الكلمة" قد فقدت معناها، وأصبحت "ثورة" تعني "انقلاب"، و"ديمقراطية" تعني "سيطرة".
فصل الجيش الأخير: الجمهورية الجديدة والعروض الكبرى
بعد أن أُسدل الستار على "كوميديا الأخطاء" الإخوانية، دخل الجيش المصري على خشبة المسرح، ليس كلاعب ثانوي، بل كـ"المنقذ" الذي طال انتظاره، في فصل ختامي مليء بالدراما والعروض الكبرى التي أطلق عليها "الجمهورية الجديدة". وكأن كل "فشل" سياسي ينتهي بـ"ظهور المنقذ" على حصان أبيض، أو دبابة، لا فرق.
الجنرال يدخل المسرح: مهلة الـ48 ساعة والإنقاذ "العفوي"
في الأول من يوليو 2013، وبعد "احتجاجات حاشدة" في جميع أنحاء البلاد ، أعلن قائد القوات المسلحة، الجنرال عبد الفتاح السيسي، أن الجيش "مستعد للتدخل لمنع الفوضى" إذا لم يتم حل الخلافات في غضون 48 ساعة . كان الأمر وكأن الجيش ينتظر إشارة البدء ليدخل على خشبة المسرح كـ"المنقذ" الذي لا مفر منه، وقد أعد خطابه مسبقاً، بل وحتى "فريقه التمثيلي".
وعندما رفض مرسي التنحي، أوفى الجيش بـ"الإنذار" في 3 يوليو، معلنًا "تعليق الدستور" وعزل مرسي، وتعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، رئيسًا مؤقتًا (The Guardian, 2013). ورغم أن منصور كُلّف بتنفيذ "خارطة الطريق" العسكرية، كان واضحًا أنه "يتبع في النهاية السيسي" (El-Ghobashy, 2016). أما التسريبات التي ظهرت لاحقًا، والتي "تحققت منها جهات مستقلة" ، فقد أشارت إلى "ضلوع الجيش في الاحتجاجات الجماهيرية" التي سبقت عزل مرسي (Lynch, 2016). إن السخرية تكمن في المفارقة الدرامية: الجيش يصور نفسه كمنقذ متردد، أجبرته الإرادة الشعبية على التدخل، بينما تشير الأدلة إلى أنه كان متورطًا بنشاط في تدبير "الفوضى" التي ادعى أنه يحلها (El-Ghobashy, 2016). هذا يحول "الانتفاضة الشعبية" إلى حدث مدبر، حيث كان "المنقذ" ينتظر بالفعل في الكواليس، مستعدًا لتقديم خطوطه المكتوبة مسبقًا، في مسرحية "معدة سلفاً" وليست "عفوية".
بلاغة "التصحيح" و"الإنقاذ": عندما يصبح القمع "استقرارًا"
في خطاباته، احتفى الرئيس السيسي بـ"ثورة 30 يونيو المجيدة التي صححت المسار" و"أعادت لوطننا أهدافه" . وصف الجيش بأنه "من الشعب وللشعب"، وأكد على "وحدة الوطن" و"الهوية المصرية" . أشاد بـ"صمود الشعب" و"التكلفة الباهظة التي دفعها الأبطال من القوات المسلحة والشرطة" في مواجهة "أعتى موجة إرهاب" . هذا الخطاب البلاغي، الذي يصف الأحداث بأنها "ثورة تصحيح وإنقاذ" (Sisi, 2014)، يتناقض بشكل صارخ مع الواقع الذي شهد "عودة إلى الاستبداد" (Fakhrany, 2014)، حيث قامت الأجهزة الأمنية "بشن حملة قمع على جميع أشكال المعارضة، واعتقال وتعذيب الآلاف من المعارضين السياسيين" (Human Rights Watch, 2015). وأُعلن عن "حالة الطوارئ" ، وأصبح 30 يونيو "عطلة رسمية مدفوعة الأجر" (Ahram Online, 2014) لتأكيد الرواية الرسمية.
إن السخرية تكمن في إعادة توظيف لغة الثورة ("تصحيح المسار"، "الحرية"، "الكرامة" من 2011) لتبرير حملة قمع استبدادية. فـ"الاستقرار" يتحقق من خلال "القمع"، وأي معارضة توصف بسهولة بأنها "إرهاب". هذا تكتيك كلاسيكي للزعيم القوي: استخدام لغة التحرير لتعزيز السلطة، وتحويل مُثل الثورة نفسها ضد مؤيديها (El-Ghobashy, 2016). وكأن "الكلمات" أصبحت "أقنعة" تخفي وراءها "الواقع المرير"، و"الاستقرار" أصبح مرادفًا لـ"الخوف".
بناء القصور في الصحراء: مهرجان "الجمهورية الجديدة" على أنقاض الوعود
تحت مظلة "الجمهورية الجديدة"، انطلقت مصر في سباق محموم لبناء مشاريع ضخمة، وكأنها تعوض عن الأحلام الضائعة بكتل خرسانية عملاقة. العاصمة الإدارية الجديدة، التي تبعد 45 كيلومترًا شرق القاهرة، والتي صُممت لتضم 6 ملايين شخص، أصبحت المقر الرسمي للحكومة. تضم أطول برج في إفريقيا (البرج الأيقوني)، وأكبر مسجد، وثاني أكبر استاد، وأكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط .
الجيش، الذي أصبح "المهندس المعماري الأكبر"، يتولى 51% من شركة "العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية" ، مما يوسع دوره الاقتصادي "الكبير بالفعل" . ورغم أن هذه المشاريع تُقدم كرموز للتقدم، فإن شقة بغرفتي نوم في العاصمة تكلف حوالي 50 ألف دولار، بينما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 3000 دولار . وكأنها "مجتمع مسور للأثرياء" ، بينما يُطبق على البقية شعار "لا شيء مجاني" (The Guardian, 2019) مع خفض الدعم وزيادة الأسعار.
أما مشروع توسعة قناة السويس، الذي بدأ في 2014، فقد هدف إلى مضاعفة جزء من القناة لزيادة عدد السفن العابرة من 49 إلى 97 سفينة يوميًا (Reuters, 2015). وكل هذا يتم بتمويل خارجي ضخم، مما أدى إلى "تضاعف الدين الخارجي لمصر" (The Guardian, 2019). إن "التقدم" في "الجمهورية الجديدة" يتمثل في هذا المشهد المعماري الفخم، الذي يعكس رأسمالية الدولة وسلطة الجيش، مبنيًا على أموال مقترضة وعلى حساب الرفاه الاجتماعي، مما يخلق قفصًا ذهبيًا للنخبة بينما تكافح الأغلبية. إنها سخرية مثالية من مفهوم "التقدم"، حيث "الرخاء" يُبنى على "الديون"، و"المستقبل" يُرهن بـ"الخلاصات الخرسانية".
سيناريو الإعلام الجديد: من "الملاهي" إلى "الغرفة المغلقة"
بعد ثورة 2011، شهد الإعلام المصري "انفتاحًا" و"حرية تعبير" (Kholoussy, 2012)، وكأنها "قطار ملاهي" للصحافة، حيث تتدفق الآراء وتتعدد الأصوات. لكن هذه المساحات "تقلصت مع عودة الدولة البوليسية" ، وتحول المشهد الإعلامي من ساحة للنقاش إلى غرفة مغلقة، حيث "الحقيقة" هي ما يقرره "الراوي الرسمي".
أصبحت "الدعاية الحكومية أقوى"، ليس فقط باستخدام الأدوات الرقمية نفسها، بل "بالتحكم في الرسائل" (Human Rights Watch, 2015). لقد سعت إدارة السيسي إلى "السيطرة على الفضاء الإعلامي والخطاب العام"  من خلال "الاستحواذ على شركات إعلامية خاصة بارزة" عبر شركات قابضة تابعة للمخابرات والجيش . هذا سمح بالملكية المباشرة لوسائل البث والإنتاج، والتحكم الرئاسي في السياسة التحريرية، والقضاء على الآراء المعارضة من خلال الرقابة والحظر (El-Ghobashy, 2016).
إن مسار حرية الإعلام، من "رحلة ملاهي" قصيرة ومثيرة إلى "غرفة صدى" محكمة السيطرة، يوضح بشكل مثالي الاستغلال الساخر لمكسب ثوري. فـ"التحرير" الأولي لم يكن سوى مرحلة مؤقتة قبل أن تستعيد الدولة سيطرتها، مستخدمة أساليب متطورة لتشكيل الرأي العام والقضاء على أي سرديات تنحرف عن الخط الرسمي. إنها كوميديا سوداء للحظة الحرية العابرة، حيث "حرية التعبير" أصبحت تعني "حرية التعبير عن ما تريده الدولة".
هل كانت ثورة حقاً؟
في النهاية، وبعد كل هذه التقلبات والأرقام المتضاربة والمشاريع العملاقة، يظل السؤال معلقًا في الهواء، يتردد صداه في أروقة التاريخ المصري: هل كانت "الثورة" المصرية، سواء يناير 2011 أو 30 يونيو 2013، ثورة حقيقية بالمعنى العميق للكلمة؟ أم أنها كانت مجرد تبديل للديكور، مع تغيير في الوجوه، ولكن مع نفس السيناريو القديم؟ سؤال يستحق التأمل، أو ربما "الضحك" على "سذاجة" التوقعات.

The revolution promised "bread, freedom, and social justice" (Ottaway & Hamzawy, 2012), slogans that mobilized millions. But in return, it delivered a "new republic" of concrete and debt, where "stability" meant systematic repression (Human Rights Watch, 2015), and "progress" meant mega-projects that benefited only the few (The Guardian, 2019). The political landscape has been transformed into an expensive spectacle, where the ideals of freedom and dignity have been replaced by construction and control, in a scene akin to a "theater of the absurd."
The shift from a revolutionary spirit demanding radical change to a system that consolidates central authority and expands the influence of the military (El-Ghobashy, 2016) raises questions about the nature of the change that has taken place. Instead of achieving "bread" for all, economic policy has become based on the principle of "nothing is free" (The Guardian, 2019), further burdening the average citizen. Instead of "freedom," repressive practices and the gagging of voices returned (Human Rights Watch, 2015). As for "dignity," it faded in the face of a regime that relies on extreme repression and total control, as if it were a "luxury" unworthy of a "new republic."
It was as if Egypt, in its grand spectacle, had replaced old dreams with a new reality, not much different from its predecessor, except for the lavishness of the theater and the cost of tickets. Ultimately, the Egyptian "revolution" turned into a massive and expensive show to consolidate power, where the original ideals were replaced by concrete blocks and control, leading the nation to question whether it was a revolution at all, or just an overly complicated costume change, or a "coup" called a "revolution" to justify a false "stability." And tomorrow you will see Egypt... or not?
References:
Ahram Online. (2014, June 29). June 30 Revolution declared national paid holiday in Egypt. Retrieved from https://english.ahram.org.eg/News/105436.aspx
Brown, N.J. (2014). Broken Ties: The Muslim Brotherhood, Egypt's Freezing Politics, and the Future of Islamism. Carnegie Endowment for International Peace.
CAPMAS. (2013). Egypt Labor Force Survey, Q2 2013. Central Agency for Public Mobilization and Statistics.
CAPMAS. (2023). Egypt Labor Force Survey, Q2 2023. Central Agency for Public Mobilization and Statistics.
Central Bank of Egypt. (2013). External Debt Statistics, Q2 2013.
Central Bank of Egypt. (2023). External Debt Statistics, Q2 2023.
El-Ghobashy, M. (2016). Egypt's Third Republic. Journal of Democracy, 27(3), 117-129.
Fakhrany, Y. (2014, October 24). Egypt: The Return to Authoritarianism. Al Jazeera. Retrieved from https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/2014/10/egypt-return-authoritarianism-2014102484439169992.html
Human Rights Watch. (2013). Egypt: Intensifying Crackdown on Free Expression. Retrieved from https://www.hrw.org/news/2013/05/29/egypt-intensifying-crackdown-free-expression
Human Rights Watch. (2014). All According to Plan: The Rab'a Massacre and Mass Killings of Protesters in Egypt. Retrieved from https://www.hrw.org/report/2014/08/19/all-according-plan/rabaa-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt
Human Rights Watch. (2015). Egypt: No End to Repression. Retrieved from https://www.hrw.org/world-report/2015/country-chapters/egypt
International Monetary Fund. (2012). Egypt: Staff Report for the 2012 Article IV Consultation. IMF Country Report No. 12/285.
International Monetary Fund. (2016). Egypt: First Review Under the Extended Fund Facility Arrangement and Request for Waivers of Nonobservance of Performance Criteria. IMF Country Report No. 16/364.
Kirkpatrick, D. D. (2013, July 3). Millions in Egypt Protest Morsi; Army Takes Control. The New York Times. Retrieved from https://www.nytimes.com/2013/07/04/world/middleeast/egypt.html
Kholoussy, E. (2012, December 11). Media Freedom in Egypt: A Roller Coaster Ride. Atlantic Council. Retrieved from https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/media-freedom-in-egypt-a-roller-coaster-ride/
Lynch, M. (2016). The New Arab Cold War. Foreign Affairs, 95(3), 110-119.
Moussa, H. (2013, July 10). Egypt's Political Ballads: From Revolutionary Anthem to Humorous Protest. Al-Monitor. Retrieved from https://www.al-monitor.com/originals/2013/07/egypt-political-songs-revolution-protest.html
Ottaway, M., & Hamzawy, A. (2012). Egypt's Transition and US Policy. Carnegie Endowment for International Peace.
Reuters. (2015, August 6). Egypt opens new Suez Canal section, aims for $13.2 bln revenue. Retrieved from https://www.reuters.com/article/us-egypt-suezcanal-opening-idUSKCN0QA11J20150806
Sisi, A. F. (2014, June 8). President Sisi's Inaugural Speech. Egypt State Information Service.
Shenker, J. (2013, July 1). Egypt: opposition campaigners claim 22m signatures to Oust Morsi. The Guardian. Retrieved from https://www.theguardian.com/world/2013/jul/01/egypt-opposition-campaigners-22m-signatures-morsi
The Guardian. (2013, July 1). Egypt: army gives Morsi 48-hour ultimatum as protests grow. Retrieved from https://www.theguardian.com/world/2013/jul/01/egypt-army-ultimatum-morsi-protests
The Guardian. (2019, July 21). Egypt's New Capital: Sisi's Desert Dream. Retrieved from https://www.theguardian.com/cities/2019/jul/21/egypts-new-capital-sisis-desert-dream