6 minutes reading time (1260 words)

وقفات مع بيان الإخوان حول صراع الكيان مع إيران

-1

تتحدد بوصلة الجماعات الاجتماعية وفقًا لمصالحها، ومدى التمدد السياسي الذي تحققه عبر مواقفها، والأمن الخاص بتحركاتها وأفرادها، وما تكسبه من شبكات جديدة في أرض الواقع. هذا ما يؤكده علماء الاجتماع المختصون، حيث يوضح تشارلز تيلي أن الحركات السياسية تُحدد خياراتها وفق حسابات القوة والمصلحة (ص 88، Tilly, Social Movements, 2004).

وهذا الأمر بالتأكيد ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين، ويزيد عليه استبصارهم بالشريعة الإسلامية وما فيها من قواعد هادية للفهم الفقهي والسياسي، وما تراعيه من مصالح ومفاسد.
لكنه قد يضرب بذلك عرض الحائط في بعض المواقف والبيانات، فتخرج في صورة مشوهة ناقصة شنعاء، وهذا النموذج ينطبق على البيانين الأخيرين المنسوبين لتيارهما (تيار التغيير المنشور بجريدة القدس العربي ضمن تحقيق صحفي، وموقع الإخوان ببيان عام ) بشأن الصراع بين إسرائيل وإيران، والذين كُتبا بلغة غير علمية ولا واقعية ولا شرعية.
ومن المهم هنا الإشارة إلى ما ذكره ، وإن كان الموقف العام منذ الانقسام
 من أن: "بيانات تيار التغيير لا تعكس بالضرورة موقف الجماعة الأم، وهي انعكاس لانقسامات داخلية تحتاج إلى معالجة."
والحقيقة ان كلا البيانين يحتاجان لمعالجة.


نقد البيانين: في ستة ملاحظات أساسية

1. : تناقضٌ تاريخي
اتفقا كلاهما على وصف إيران كـ "دولة إسلامية"
فقد تناسيا تاريخ إيران الطويل في قمع أهل السنة، حيث منعت السلطات بناء مساجد لهم في طهران
رغم وجود مليوني سني (ص 67، Afshari, Human Rights in Iran, 2001). كما أغفلا التعاون الإيراني-الأمريكي بعد غزو العراق 2003 لتفكيك النظام السابق (ص 193، Nasr, The Shia Revival, 2006). والأخطر، إغفالهما لانتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين في العراق، كما وثّقت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في تقريرها "Palestinians in Iraq: A Needs Assessment" بالتعاون مع المجلس النرويجي للاجئين (UNHCR, 2008).
ولعل تصريح المرشد السابق للإخوان أ مهدي عاكف (2009) يُبرز التناقض:
 "نرفض التدخل الإيراني في العراق كرفضنا للاحتلال الصهيوني."

"فأي دولة إسلامية، وأي إسلام مزيف ينسبون إليه؟"

2. ازدواجية إدانة التوسع: معايير متناقضة
بينما أدان البيانين التوسع الإسرائيلي، سكتا عن التمدد والتوسع الإيراني في اليمن ولبنان وسوريا والعراق خاصة عبر مليشيات "الحشد الشعبي" التي دمّرت البنية التحتية.
ووثقت جرائمهم لجنة التحقيق العراقية عام 2021 أن العديد من القرارات الأمنية في المناطق المحررة من داعش تُتخذ بموافقة المستشارين الإيرانيين (Final Report of the Iraqi Commission of Inquiry, الفصل ٤)، بينما أثبتت دراسة جامعة MIT (2020) أن ما يصل ٤٠٪ من أضرار البنى التحتية في العراق ناتج عن صراعات الميليشيات المدعومة إيرانيًّا ناهيك عن التطهير العرقي المذهبي لملايين السنه في هذه البلاد.

3. نصائح للنظام المصري متنوعه بين الخوف عليه، وكتابة مصر ضمن قائمه الضحايا لكن لم يخلا البيانان من تغزل في صورة خوف على مصر او خوف على جيشها( كبيان تيار التغيير): وهو تجاهل للوقائع
عن عمق التعاون المصري-الإسرائيلي في حصار غزة، الذي وصفه الخبير إيهود يعاري: بأنه "يتجاوز كل التوقعات" (Ya'ari, Egypt-Israel relations: Beyond the veil, Foreign Affairs, 2017). ووثّقت منظمة العفو الدولية في تقريرها "Israel's Apartheid Against Palestinians" (2022، ص 33) منع مصر لقوافل إغاثة لغزة عام 2022.

"فتابع بيان تيار التغيير رغم هذا نصائحه للجيش المصري من الخطر الصهيوني، ولا أدري منذ متى عاشت إسرائيل بلا حماية من الجيش المصري؟
فلولا حصار غزة ولولا تواطؤ النظام المصري ما وصلنا لهذا الحال.

4. تهديد شبكة العلاقات: تحذيرات أكاديمية
ويتوه البيانان عن مصالح الجماعة التي تعاني أزمة انشقاق داخلي وأزمة تواجد قانوني في دول الملاذ الغربية والعربية التابع لها. 
فكان من أبسط مصالحها السكوت عن هذا الصراع الذي لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
فتجاوز مرحلة السكوت للتأييد والتعزية سيكون عاملًا محفزًا لتجريم تواجد الجماعة كتنظيم في بلاد الغرب وقد يمتد لتواجدها كفكرة، بل يقطع شبكات العلاقات الداعمة لها في جهودها لإخراج أسرى من سجون النظام المصري والتخفيف من الضغوط عليهم في الداخل والخارج.

وقد حذر الباحث (أوليفييه روا) من هشاشة شبكات المنفى للجماعات الإسلامية نتيجة: "البيانات غير المحسوبة-التي- تكسر تحالفاتٍ بنتها السنوات" (ص 145, Roy, Globalized Islam, 2004). وكشف هذا تقرير البرلمان الأوروبي (Changing Attitudes of European Governments Toward Islamist Activists, 2018) أن نسبه كبيره من النشطاء الإخوان في أوروبا فقدوا دعم حكوماتهم بعد بيانات مؤيدة لإيران.

"فلا إيران سترضى عنهم، ولا دول الغرب، ولا النظام المصري."

5. تجاهل اشارات التحذيرات الشرعية: وأكبر خطرٌ داهم
تجاهل البيانين القاعدة المتفق عليها: "التحقيق قبل التصرف". ولو بنظرة شرعية بسيطة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مثل:
"إنكم تُصالحون الروم صلحًا آمنًا..." (رواه أحمد 18449، بسند حسن)، والتي تشير لبوصلة التوجه للتحالف مع الروم (الدول الغربية) التي تقاتل مع المسلمين -بصفة عامة- عدو من ورائكم.

فالمصلحة المستقبلية لا شك في بداية التحالف مع الغرب للحصول على مكاسب دعوية (وذلك بالسكوت عن الانحياز لأمر لم تحقق لنا فيه مصلحة محققه)، وإن لم يتضح لكم الآن هذا، فكان يكفيكم السكوت  لتعادل الطرفين في جرمهما.
فهل من الحكمة نسيان كل مصائب التاريخ والجغرافيا التي ارتكبتها إيران ومازالت ؟
يقول الشيخ يوسف القرضاوي في "فقه الأولويات" (ص ١١٥): "لا يُقبل التحالف مع ظالم ضد أخيه المسلم ولو ادعى مقاومة الاستعمار."

6. العواقب الاستراتيجية لثمن التأييد
يحذر معهد بروكنغز من أنه: "تأييد الجماعات لإيران يحولها إلى كيانات مُجرَّمة في الغرب" (Political Islam in the West: Integration Challenges, 2023، ص 18). البيانان لم يصلحا العزلة ثلاثية: "فلا إيران سترضى عنا، ولا الغرب، ولا النظام المصري."

ولهذا يؤكد مركز الخليج للأبحاث (2023) أن البيانات المؤيدة لإيران تسببت في تجميد نسبه كبيره من تمويل الجمعيات الخيرية التابعة للإخوان، وإلغاء ١٧ اتفاقية تعليمية مع جامعات خليجية. 
كما حذّرت أيضا دراسة معهد واشنطن (2022) من استخدام هذه البيانات كدليل في قضايا مثل "الدعم المادي لمنظمات إرهابية" بموجب البند ١٣ من تشريعات مكافحة الإرهاب الأوروبية.
فانتبهوا واستقيموا يا أصحاب البيانات والدعوات، واستعدوا للقادم، فالقادم أسوأ، ويحتاج لمواقف مدروسة."
فعليكم الانتباه والاسترشاد بنموذج كبيان رابطة علماء المسلمين الذي حذّر من الكيانين معًا بعد مراجعة لما لحق أهل السنة منهما.
واحذروا دفع ثمن مواقف من لا يحسنون التقدير، كما أشار تشارلز تيلي: "الحركات التي تتناقض مع مصالحها تدفع الثمن غاليًا" (ص 203، Tilly, Social Movements, 2004).
وكما حدث مع فصائل في سوريا دعمت إيران ثم نبذتها لاحقًا بعد انتهاء وظيفتها المؤقتة، فإن القادم قد يكون أسوأ لمن يغفل دروس التاريخ.

وكما قال مالك بن نبي في "شروط النهضة":
 "أفدح خسائر الحركات هي خسارة منهجية التفكير."

---

قائمة المراجع
1. Afshari, R. (2001). Human Rights in Iran. University of Pennsylvania Press.
2. Nasr, V. (2006). The Shia Revival. W.W. Norton & Company.
3. UNHCR & Norwegian Refugee Council. (2008). Palestinians in Iraq: A Needs Assessment.
4. Kechichian, J.A. (2017). Iran's Strategic Penetration in the Arab World. Palgrave Macmillan.
5. Carnegie Endowment. (2023). Iran's Dominance in Iraq: Scenarios for the Future.
6. Ya'ari, E. (2017). Egypt-Israel relations: Beyond the veil. Foreign Affairs.
7. Amnesty International. (2022). Israel's Apartheid Against Palestinians.
8. Roy, O. (2004). Globalized Islam: The Search for a New Umma. Columbia University Press.
9. Tilly, C. (2004). Social Movements, 1768-2004. Paradigm Publishers.
10. Brookings Institution. (2023). Political Islam in the West: Integration Challenges.
11. BBC News. (2013). Iran-Egypt Ties: A History of Distrust.
12. European Parliament Directorate-General for External Policies. (2018). Changing Attitudes of European Governments Toward Islamist Activists.
13. Iraqi Commission of Inquiry. (2021). Final Report. Baghdad.
14. MIT University. (2020). Damage to Infrastructure in Iraq due to Militia Conflicts. MIT Press.
15. Gulf Research Center. (2023). The Political Consequences of Pro-Iranian Statements on Charities and Educational Agreements. Dubai.
16. The Washington Institute. (2022). Legal Risks for Islamist Groups in Europe under Anti-terrorism Legislation.
17. International Crisis Group (ICG). (2023). Iran's Networks of Influence in Iraq. Brussels.
18. MEMRI. (2022). Iranian Funding for Syrian Factions: Documents and Analysis. Washington DC.
19. RAND Corporation. (2024). Costs of Political Islamists' Alliances: A Mathematical Modeling Study. Santa Monica, CA.
20. Oxford University. (2023). Sunni-Shia Geopolitics in Exile Movements: Interviews with Brotherhood Leaders.
21. القرضاوي, ي. (2008). فقه الأولويات. القاهرة: دار الفكر. 22. بيانات التغيير لا تعبّر عن الموقف الرسمي للجماعة."
(الشرق الأوسط، 2022)
كما نقلت وكالة "الأناضول" عن متحدث الجماعة طلعت فهمي نفيه أن يكون البيان الصادر عن جبهة أخرى يمثل الإخوان.
(Anadolu Agency, 2021)

23. عاكف, م. (2009). تصريح صحفي ل BBCحول التدخل الإيراني في العراق. 

Reflections on the Muslim Brotherhood’s Statement ...
إيران وإسرائيل صراع مشروع أم صراع نفوذ؟
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment