By خالد القاضي on Saturday, 28 June 2025
Category: مدونات عربية

يا ولدي هذه وصيتي رضا الله الغاية

كلما يقترب قطار العمر من الوصول إلى محطته الأخيرة، بدأت الدوافع للتفتيش عن أحمال السفر وأغراض الوصول، وغلب على النفس الترقب للوصول والتأهب للحياة الجديدة حيث المستقر والمستودع، لكنك لكي تصل وجهتك لابد من معرفة طريقك ومعالمه وسننه، حتى لا تتوه عن غاية الوصول لهدفك المأمول.

وهنا أقف متأملا حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ . (صحيح مسلم).

وأجد نفسي وقد كساني الشيب سائلا المولى عز وجل أن يصدق في حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي عن عمرو بن عنبسة مرفوعا وهو حسن بلفظ: "من شاب شبية في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة" .

في حينها لابد من أوصيك يا فلذة كبدي وصية محب، وأنبهك أنك لست وحدك ولدي وإن حملت أسمي، وتشابهت في رسمي، فكل إخوانك وجيلك تشملهم وصيتي.

كيف لا وقد صقلتكم المحن، وتباعدت بكم الأسفار، وتمالأت عليكم كلاب الأرض، علها تنهشكم أو تخيفكم أو تقلق مضاجعكم.

فأنتم قدر الله النافذ، وبصيرتنا للتغيير المنشود، وذخيرتنا التي لو نفذت هباء، ما استطعنا أن نحمي ديننا وعرضنا.

فلا تفقدوا الأمل وأنتم في جنابه ولاتأمنون الفتنة حتى في كنف عالم وحضرة زاهد وبهرج ذي مكانة.

ولهذا سأوصيك وصية المحب المشفق، لعل وصيتي تختصر عليك الطريق وترشدك في ليل الظلم الحالك، فإن الفجر قريب وأراه  ينبثق من تحت خطاكم.

غايتنا ومنتهانا رضا الله

اعلم يا ولدي أن طلب رضا الله هو غايتنا ومنتهى طريقنا في هذه الحياة الدنيا، فلا تجعل همك رضا غيره، وكل ما فيه رضا الله فهو زادك في الطريق، وكنزك عند الله الذي  لا ينفذ، ومعية الله التي تحيط بك، فتتلقفك أكفها في المهالك لتصل بك إلى بر مغفرته، وعظيم حفظه، وسحائب رحمته.

وفي هذا عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللَّهِ عز وجل فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: " يَا جِبْرِيلُ، إِنَّ عَبْدِي فُلانًا يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي، فَرِضَائِي عَلَيْهِ "، قَالَ: فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلانٍ، وَتَقُولُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَقُولَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (المعجم الأوسط للطبراني بسند صحيح).

فرضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها. لأن الرضا صفة الله والجنة خلقه، قال الله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [مدارج السالكين]، فمنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى وقدره وشرائع دينه، فإن الجزاء من جنس العمل.

والطريق إلى الله واضحة بينة سلكها الأولون حتى قال فيهم رب العزة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} . فهؤلاء هم السعداء الذين ثبت لهم رضا الله عنهم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.

معالم طريق الرضي

وأعلم يا ولدي الحبيب أن رضا الله له طريق، من سلكه نجى ومن غفلة تاه إلى أن يستفيق ويعاوده، ومن عمد غيره هلك، وأولى خطوات هذا الطريق:

ياولدي: إن من الرضي بحثك عن معالم الرضا، وإن لم أستوفها لك، فدعك مما مضى وشمر ساعديك وارتمي في أحضان القضا، وكن على بصيره، فهذي أولى وصيتي علي أن أكون فتحت لك باب خيرتولج فيه، فلا تنساني من دعاءك في لحظة رضا والتمس من وصيتي لطريقك هدى.