وقت القراءة: 18 دقائق/دقيقة (3545 كلمات/كلمة)

مكاسب الحادي عشر من سبتمبر

1000180518


قد يتصور البعض أن هذا المقال سيسرد مكاسب أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقط، وهذا أمر غير منطقي عند تقييم حدث هز العالم كله. لا بد أولًا من سرد الخسائر الحقيقية، ثم جرد المكاسب المتوهمة، لنترك للقارئ مهمة الحساب الختامي. ربما يكون هذا المقال صدمة للبعض أو دافعًا لاستعداء آخرين، لكنها وجهة نظر قابلة للنقاش، بعيدة عن وجهات النظر التي تسيل فيها الدماء.

وقفة حقيقية

قبل الشروع في استعراض أي نتاج للحدث، لا بد من تحديد الميزان الذي سيُحسب عليه. ولا شيء عندي مقدم على القواعد الشرعية التي أقرها الإسلام، والتي تُبنى على جلب المصالح ودرء المفاسد. وقد قرر الإمام الشاطبي أن: "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا" [1]. بل إن الشريعة كلها مصالح، كما قال العز بن عبد السلام: "الشريعة كلها مصالح: إما درء مفاسد أو جلب مصالح" [2].

وهذه المصالح ليست محصورة في المسلمين وحدهم، بل للعالم كله، مصداقًا لقوله تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107). فالرسالة رحمة عامة تشمل كل الخلق، ولهذا كان أصل الشريعة قائمًا على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار" [3]، أي رفع الضرر وجلب النفع حيثما وُجد، ما دام منضبطًا بنصوص الشرع ومقاصده.

الخسائر المتحققة

أبرز المحطات التي خلفتها تلك الأحداث:

أولًا: مفسدة مخالفة عهد الأمان

عهد الأمان هو الذي يلتزم به المسلم تجاه من أمّنه، قال تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ" (التوبة: 6)، أو تجاه من كان هو في جواره، ودليله قول النبي ﷺ: "يسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم" [4]. قال ابن قدامة: "إذا دخل الكافر إلى دار الإسلام بأمان، لم يجز التعرض له بحال، وكذلك المسلم إذا دخل دارهم بأمان، لم يجز له أن يخونهم" [5].

هذا العهد يلزم المسلم بالوفاء به حتى في دار الحرب أو دار الكفر. والمقصود بهذا المصطلح في الفقه السياسي الإسلامي هو الدولة الأجنبية المضيفة، على اعتبار أن دولة الإسلام تمثل الإيمان والسلام. وهذا أمر بديهي، فالخلافة الإسلامية كانت قائمة بالفعل على هذا المبدأ.

لقد ظهرت إشكالية في تبرير مخالفة أمر الشريعة التي ألزمت المسلم بالتزام السلم في دار عدوه، كما ألزمت نفسها بالتزام السلم تجاه عدوها لو دخل أرضها بصورة قانونية. وعلى هذا اعتبرت تأشيرة الدخول للبلاد عهد أمان مجمع عليها من أهل الفقه. وما حدث من أحداث سبتمبر كانت أكبر خسارة فيه هو خسارة التحايل والخروج على الشريعة، وهذا منفصل عن حسن القصد، فلا يمكن أن يسرق المسلم ليتصدق. العمل المشروع لا بد له من وسيلة مشروعة، والغاية لا تبرر الوسيلة بل تحددها، فكانت أكبر خسارة هي خسارة مشروعية العمل أمام الله.

ودليل ذلك قول النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [6]. كما قال الإمام الشاطبي: "الوسائل إلى المقاصد تكتسب أحكام مقاصدها، فإن كانت المقاصد مشروعة فلا بد أن تكون الوسائل كذلك" [7].

ثانيًا: مفسدة مخالفة العهود

لم يكن لمجموعة القاعدة دولة أو أرض مستقلة تنطلق منها، بل كانوا ضيوفًا على دولة مسلمة ناشئة (طالبان أفغانستان)، وهي الدولة التي التزموا شرعًا وأدبًا بعدم مخالفة أمرها أو الإضرار بها بأي حال من الأحوال. بل ارتبط زعيمهم بعهد (بيعة) في عنقه لإمام هذه الدولة بأن يسمع له ويطيع، وقد صرّح أيمن الظواهري في مبايعته لأختر منصور سنة 2015 قائلًا: "أجدد لك البيعة... على منهاج شيخنا أسامة بن لادن وإخوانه الشهداء في بيعتهم لملا عمر"، وهو ما يثبت أن ابن لادن كان على بيعة للملا عمر، كما نقل ذلك أيضًا أبو مصعب السوري في "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية". وإن كانت بعض الدراسات الأكاديمية كـ Anne Stenersen (Al-Qaida in Afghanistan) وورقة مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت تشير إلى خلاف حول شكل هذه البيعة وحدودها، إلا أنها تُجمع على اعتراف القاعدة بسلطة الملا عمر داخل أفغانستان [8].

لم تكن هجمات سبتمبر بأمر من هذه الدولة ولا بتخطيط منها، بل كانت في غفلة ثقة بأن هؤلاء سيلتزمون قوانين هذه الدولة. فترتب على خيانة هذا العهد ومخالفة القانون الشرعي لتلك الدولة، حرب خسرت فيها الدولة لمدة 20 عامًا ومات الآلاف نتيجة فعل غير محسوب لا شرعًا ولا عسكريًا. فكيف يمكن أن يفرحوا بسقوط برجين وخسارة بضعة الآلاف من عدوهم وينسوا سقوط دولة وخسارة مئات الآلاف نتيجة خيانة العهد؟! والله جل في علاه القائل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (المائدة: 1).

ورسوله صلى الله عليه وسلم القائل: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا" [9]، وقال أيضًا: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" [10]. وقد أجمع الفقهاء على أن الغدر ونقض العهد من الكبائر، قال النووي: "أجمع العلماء على وجوب الوفاء بعهود الكفار إذا عُقدت على وجه صحيح، ويحرم نقضها بغير سبب شرعي" [11]. فما بالك بعهود المؤمنين؟!

ثالثًا: هل تحقق الجهاد الشرعي؟

الجهاد الشرعي المستوفي من قدرة واستطاعة، جعلها الفقهاء شرطًا في جهاد الطلب، واستثنوها في جهاد الدفع، ولهذا قال ابن قدامة: "وجهاد الدفع لا يشترط له شرط، إذ هو قتال ضرورة ودفع صائل، فكل أحد يقوم فيه بما يستطيع" [12].

وبالتغافل عن كون القاعدة لا تمثل الجهاد في الإسلام، فهي ليست دولة وليس زعيمها إمامًا يقاتل من وراءه. فكيف تقوم بجهاد طلب العدو الذي لم تكن عندها قدرة على صده ولا استطاعة منعه من التغول بقواته في بلاد الإسلام كأفغانستان والعراق؟ قال الله تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (التغابن: 16)، وقال رسول الله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [13].

وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن شرط القدرة والاستطاعة أصل لا يصح إغفاله، فقال: "الجهاد لا يجب إلا بالقدرة والاستطاعة، فإن عدمت القدرة سقط الوجوب، وكانت مفسدة الإقدام أعظم من مصلحته" [14]. وهذا الكلام يشرح واقعية حال القاعدة بدقة: فلا قدرة لها على مقاتلة أمريكا في عقر دارها، ولا استطاعة على تحقيق نكاية معتبرة أو مصلحة محققة للأمة، بل ترتب على فعلها عكس المقصود من زيادة نفوذ العدو وتوسيع سيطرته على بلاد المسلمين. فأي مصلحة متحققة في جهاد طلب لا نكاية من ورائه ولا مكاسب متحققة، بل كان وبالًا على الأمة كلها.

رابعًا: تشويه صورة الإسلام

لقد كانت أحداث سبتمبر فرصة سانحة لتشويه صورة الإسلام وانطباع الصورة الذهنية لكل مسلم على أنه حزام ناسف وانتحاري مجنون يمكن في أي وقت أن يقتل من حوله. ولا يغتر البعض بإحصاءات زيادة عدد المسلمين بعد سبتمبر، ولا نفاذ نسخ القرآن المطبوع، لأنهم يعلمون جيدًا أن هذه الزيادة كانت مضطردة ومتواصلة قبل الأحداث، وليس العبرة بمن دخل في الإسلام أكثر من العبرة ممن أعرضوا وحاربوا الإسلام. فكانت صورة الابتلاء في الأخبار مقرونة بالجهاد الحقيقي وليس المشكوك في مشروعيته، ولهذا قال الله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ" (محمد: 31).

لقد سجلت تقارير الـFBI الرسمية أن جرائم الكراهية ضد المسلمين في أمريكا قفزت من 28 حالة عام 2000 إلى 481 حالة عام 2001 بزيادة بلغت 1617% [15]، وهي نسبة تكشف أن العداء الموجه للمسلمين تضاعف بشكل غير مسبوق بعد سبتمبر. كما بينت استطلاعات مركز Pew Research (2021) أن نصف الأمريكيين تقريبًا ما زالوا يربطون بين الإسلام والعنف رغم مرور عقدين على الأحداث [16]. وفي المقابل، أظهرت دراسات مثل كتاب "Behind the Backlash" للكاتبة Lori Peek أن بعض الأفراد في الغرب دخلوا الإسلام بعد أحداث سبتمبر كردة فعل على موجة الإسلاموفوبيا، ولكن هذه الحالات تظل استثناءً محدودًا أمام التيار العارم من النفور ومحاربة الإسلام [17].

خامسًا: خسارة العمل الخيري

إن الله عز وجل أمرنا أن نفعل الخير فقال: "وَافْعَلُوا الْخَيْرَ" (الحج: 77). هذا الأمر عُطل وفُقد بسبب تهور غير محسوب، وجراءة على الشرع غير معهودة، من ثلة ظنت أنها تصلح وهي في الحقيقة أفسدت. فخسرت المؤسسات الخيرية وضُيّق عليها وصودرت أموالها، وأصبحت تهمة الإرهاب معلبات جاهزة، استخدمتها حتى الأنظمة المتشاكسة، كما استخدمت في حصار قطر من دول في الأصل أهلها مسلمون. لقد أضافت أحداث سبتمبر إلى الأسلحة الموجهة ضد المسلمين سلاحًا جديدًا أكثر فاعلية من أسلحة الحروب التقليدية، ولم يكن له وجود فاعل إلا بأحداث سبتمبر.

وقد ترتب على ذلك إغلاق وتجميد أصول عدد من المؤسسات الخيرية الإسلامية الكبرى بقرارات رسمية أمريكية، مثل مؤسسة الإغاثة للأرض المقدسة (Holy Land Foundation) التي جُمّدت أصولها في 4 ديسمبر 2001 ببيان وزارة الخزانة الأمريكية، وكذلك Global Relief Foundation التي جُمّدت أصولها في ديسمبر 2001، إضافة إلى Benevolence International Foundation التي صُنّفت بقرار وزارة الخزانة الأمريكية في 19 نوفمبر 2002 [18]. وهذه الوقائع كلها موثقة في بيانات وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) وتقارير الـFBI الرسمية بعد أحداث 11 سبتمبر.

سادسًا: القمع النظامي

ذلك القمع الممنهج الذي استخدمته الأنظمة العميلة، والذي زادت وتيرته ودعمه بعد أحداث سبتمبر، وبدلًا من استراتيجية القاعدة التي كانت تتحدث عن العدو البعيد، أُعطيت هذه الأنظمة الذريعة الكاملة لقمع العدو القريب، وتوسيع سطوتها الأمنية تحت شعار "مكافحة الإرهاب".

وقد أكدت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش (2003) أن حكومات عربية عديدة استخدمت قوانين مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر لتبرير اعتقال آلاف المعارضين الإسلاميين، وتوسيع سلطات الأجهزة الأمنية خارج نطاق القضاء، وأن ذلك مثّل "شرعنة دولية" غير مسبوقة للديكتاتوريات [19]. كما أشار تقرير منظمة العفو الدولية (2002) إلى أن عدة دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اتخذت من أحداث سبتمبر غطاءً لتصنيف الحركات الإصلاحية الإسلامية تهديدًا أمنيًا، ومن ثم التضييق عليها واعتقال رموزها [20].

سابعًا: تجرؤ الأنظمة

وبقيت إشكالية تجرؤ الأنظمة الدكتاتورية على وأد الدعوات الإصلاحية الإسلامية بحجة أنهم يحملون فكر القاعدة والحصول على شرعية دولية لدكتاتوريات لم تكن تحلم بها، حتى وصفت جماعة التبليغ والدعوة في بعض البلدان بأنها إرهابية واعتقل قادتها كالشيخ الأسير في لبنان، رغم أنهم من أبعد الدعوات عن فكرة القاعدة.

وقد وثّق قرار المحكمة العليا الروسية بتاريخ 7 مايو/أيار 2009 حظر جماعة التبليغ والدعوة (Tablighi Jamaat) باعتبارها "منظمة متطرفة"، وهو مثال على توسعة تعريف "الإرهاب" ليشمل جماعات دعوية سلمية في بعض الدول [21]. كما ذكر تقرير هيومن رايتس ووتش (2005) عن لبنان أن السلطات استغلت مناخ ما بعد 11 سبتمبر لتبرير الاعتقالات التعسفية بحق شخصيات دعوية وإسلامية تحت ذريعة ارتباطها بالتطرف، في حين لم تقدم أي أدلة قضائية كافية [22].

ثامنًا: تجفيف المنابع

بعد الحادي عشر من سبتمبر سرت استراتيجية تجفيف المنابع فساعد ذلك على القضاء حتى على الحركة العلمية، وخلق دعوات مناظرة كالمداخلة ترتبط مباشرة بأنظمة المخابرات، وما كان لهذا أن ينجح أو ينتشر لولا أحداث سبتمبر.

وقد وثّق تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط (2003) بعنوان Islam, Terrorism and the United States أن الضغوط الأمريكية بعد 11 سبتمبر دفعت كثيرًا من الأنظمة العربية والإسلامية إلى تبني سياسة "تجفيف المنابع"، والتي استُخدمت في التضييق على المؤسسات التعليمية والدعوية والخيرية [23]. كما أشار تقرير معهد راند RAND (2004) في دراسته Civil Democratic Islam إلى أن هذه السياسة شجّعت على تقوية تيارات دينية مرتبطة بالأنظمة الرسمية في مواجهة التيارات الإصلاحية المستقلة، وهو ما يفسر تنامي نفوذ المداخلة وغيرها من التيارات المرتبطة بالأجهزة الأمنية بعد أحداث سبتمبر [24].

تاسعًا: الشخصية الهدامة

ظهور القاعدة كان لا شك هو انعكاس لما تتميز به الحركة المعاصرة من قدرة قوية على الهدم وافتقار عقلية البناء، ولا شك أن الهدم أسهل وأسرع أضعافًا من البناء. فبدلًا من توجيه القوة والدعم لدولة طالبان هدموها، وبدلًا من سبر غور العلوم والتخصصات التكنولوجية الدقيقة التي تنفع الأمة، تخلصوا من كوادرهم العلمية في عمليات انتحارية تحت غطاء ضبابي من مشروعيتها وتحقيقها تغييرًا يذكر. ولعل هذا يذكر بقصة الشاب المتميز علميًا في الاتصالات عندما انضم لداعش، فكان أول تكليف له عملية انتحارية، فكانت لحظة الحقيقة وأدرك أنهم لو كانوا يريدون إصلاحًا في الأرض لاستفادوا من تخصصه، لا أن يسعوا في التخلص منه، ولعل هذا ما أدركته دولة طالبان الجديدة، وسوريا الجديدة، في أن الصبر على البناء خير من سهولة الهدم.

وقد أكد روبرت بيب في كتابه Cutting the Fuse: The Explosion of Global Suicide Terrorism (2010، جامعة شيكاغو) أن الجماعات الانتحارية تميل إلى استنزاف طاقاتها البشرية في عمليات غير متكافئة بدل استثمارها في بناء مؤسسات مستدامة، مما يجعل أثرها على المدى الطويل تدميريًا أكثر منه إصلاحيًا [25]. كما بيّن تقرير الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب (2016) أن التوسع في العمليات الانتحارية أضعف القدرات التنظيمية للحركات الجهادية، وأدى إلى فقدان الكوادر المتخصصة التي كان يمكن أن تُسهم في البناء والتنمية لو وُجهت جهودها بشكل مختلف [26].

عاشرًا: الانشطار المتتابع

لقد خلفت أفكار القاعدة، وما تبعها من انشطار وانقسام بعد أحداث سبتمبر، تنظيمًا مثل داعش، الذي ما أدراك ما داعش؟ إنه فكر سقيم ونهج عقيم وسوء أثر، حتى تقاتل الابن مع أبيه. وشهدت ساحات الأمة الإسلامية تلاعبًا بعقول المنجذبين، نحو الخليفة المكذوب والفكر المثقوب. وسرعان ما انكشف الغبار ليدرك الجميع أنهم لم يمتطوا حتى حمار، وما كان لفكر داعش وجود لولا التمهيد الفكري والغلو الذي تبنته القاعدة. وما زالت دول إسلامية كطالبان وسوريا الجديدة تعاني من تكفيرهم وسقم نهجهم، ليدرك الجميع أن مكسب سبتمبر الحركي ما كان إلا خسارة كبيرة في صالح مجموعة من اللصوص.

وقد أكّد تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (S/2014/815، الصادر في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2014) أن تنظيم "داعش" كان امتدادًا مباشرًا لشبكات القاعدة في العراق بقيادة الزرقاوي، وأن فكر الغلو والتكفير الذي نشأ في القاعدة مهّد لولادة تنظيم أشد تطرفًا [27]. كما أوضح الباحث Aaron Y. Zelin في ورقة “The Islamic State vs. al-Qaeda: Strategic Dimensions of a Prolonged Conflict” (معهد واشنطن، 2016) أن الصراع بين القاعدة وداعش لم يكن إلا صراعًا داخل العائلة الفكرية الواحدة، وأن الانقسام لم يكن ليحدث لولا البيئة التي صنعها خطاب القاعدة بعد سبتمبر [28].

حادي عشر: الإعلام المقاتل

تلا أحداث سبتمبر وما قبلها تبني نظرية الإعلام المقاتل، فظهرت شبكة سحاب الإعلامية وتلتها شبكات الدواعش الإعلامية. ولا شك في نجاحها في الوصول لقطاع كبير من شباب الأمة، وتأثرهم بها وظن ذلك أنه مكسب، لكن في الحقيقة هذا المكسب كان لصالح شبكات الدعاية ضد الإسلام، وصورة موثقة لحرب المسلمين. وتناسى الجميع أنه لو كان مكسبًا حقيقيًا ما كان سيُسمح له بالتداول على شبكة الإنترنت الأمريكية، في الوقت الذي كانت شعوب تُذبح فيه في الخفاء كالإيغور وبورما والعراق ومسالخ الأنظمة وسجونها. كانوا يتوهمون نصرًا مزيفًا بإعلام حنجوري يتفاخر بحدث أجوف هنا أو هناك، ولم تبق مؤسسة إعلامية مهنية واحدة تابعة لحركة إسلامية تستطيع أن تخرج مادة إعلامية تفيد الأمة.

وقد أوضح تقرير Brookings Institution (2015) بعنوان “The ISIS Twitter Census” أن داعش استغلت تويتر بشكل واسع لتوسيع خطابها الدعائي والوصول إلى عشرات الآلاف من المتابعين، لكن نفس هذه المواد وفرت مادة جاهزة للأجهزة الأمنية والإعلام الغربي لتأجيج الصورة السلبية عن الإسلام [29]. كما أكدت تقارير الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب (2017) أن دعاية الجماعات المتطرفة على الإنترنت أسهمت في تغذية خطاب الكراهية العالمي ضد المسلمين وزادت من حدة الإسلاموفوبيا [30].

هل تراجع زعماء القاعدة؟

الأمر الذي لا يبحث ولا يناقش هو هل تراجع زعماء القاعدة وأدركوا خطأهم الشرعي، ربما نعم، وإلا ما دعا بن لادن أوروبا وأمريكا إلى هدنة دعوته، وإن كانت دعوته لم يُسلط عليها الضوء لأنه لا يملك مقعد المفاوض ولا حتى يستطيع حماية نفسه وقوة تنظيمه المتوهمة معروفة، بل وجودها ضروري لتبرير سياسات استعمارية. وقد بثّت قناة الجزيرة في 15 إبريل/نيسان 2004 تسجيلًا صوتيًا منسوبًا لأسامة بن لادن عرض فيه هدنة مدتها ثلاثة أشهر للأوروبيين بشرط سحب قواتهم من الدول الإسلامية، وهو ما رفضته الحكومات الأوروبية لاحقًا [31].

ولم تنته عند ذلك، حتى الظواهري بعد الربيع العربي دعا أهل مصر للوقوف مع الرئيس المنتخب مرسي وجماعته، ونسي نقده اللاذع في كتابه "الحصاد المر" لأسلوبها، ورفضه التام للمشاركة في عملية سياسية. وقد أصدر الظواهري في أغسطس/آب 2013 تسجيلًا صوتيًا بعنوان “النصر للإسلام” أدان فيه عزل الرئيس محمد مرسي، ووصفه بأنه مؤامرة أمريكية – عسكرية، وأكد وقوفه مع ما سماه الشرعية، وهو تحول عن خطابه القديم في الحصاد المر (1991) الذي هاجم فيه الإخوان ورفض نهجهم السياسي [32].

أخيرًا: خاتمة للمكاسب

هو الوعي الحقيقي لعقلية الحركة الإسلامية المعاصرة وسطحيتها في مواجهة الظلم الواقع عليها لتتحول من مظلومة لظالمة، وتعطي مبررًا لسحقها، بل لكونها أيضًا تفتقر إلى استراتيجيات البناء والحركة السياسية المرنة، وتفتقر الكوادر المتخصصة، فكم من فصيل قاده جاهل مدعوم لهلاكه، وما داعش ببعيدة عن ذلك.

وأن يدرك الجميع أنهم يفتقرون للنظرة التوافقية لأعدائهم التاريخيين، فهذا حديث عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس"، فقال له عمرو: أيصير ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك" [33].

فهذا عمرو بن العاص الذي قاتل الروم يثبت لهم محاسنهم، ويقر لهم بما عندهم من أخلاق نبيلة يقرها الإسلام، لا يلغيها لمجرد المخالفة، وهم يسيرون بالعكس، يطمسون محاسن الدول التي آوت مشرديهم، وحمت مظلوميهم، ويحدثون عكس ما تعاهدوا عليه من أمن وأمان في أرضهم، ويحدثون ما يرهب شعوبهم، دون نظر لمآلات الغدر والخيانة، وصورة دين شوه بالكامل، ودون مصلحة دينية أو دنيوية.

بقي مكسب أخير، وهو كيف يخرجون من تيه التسليم المطلق لأي بهرج لفكرة، وكيف يدركون مآلات الأفعال، ويتجاوزون التبرير المفتعل بعد الفعل، في حين أن الأصل بحث مشروعية الفعل قبل القيام به، والنظر في مفاسده قبل مصالحه، فليس الفقه مجرد معرفة الحلال من الحرام، وإنما معرفة أقل المفسدتين وأخف الضررين. وقد قرر ذلك الإمام ابن تيمية بقوله: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، وجب ترجيح الراجح منها، فمتى كان في الفعل مصلحة راجحة على مفسدته رُجّح، ومتى كانت مفسدته راجحة على مصلحته رُجّح تركه" [34]. كما قال العز بن عبد السلام: "الشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح" [35].

آن الأوان لحصد المكاسب الحقيقية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والوعي بأنها كانت جريمة في حق الإسلام والمسلمين والعالم كله.

التوثيق والمراجع

[1] الشاطبي، إبراهيم بن موسى اللخمي. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: عبد الله دراز. ط2. بيروت: دار المعرفة، 1395هـ - 1975م. (2/8).

[2] العز بن عبد السلام، عبد العزيز بن عبد السلام. قواعد الأحكام في مصالح الأنام. تحقيق: محمود شاكر. ط1. دمشق: مطبعة السعادة، 1991م. (1/5).

[3] ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه. تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون. ط1. بيروت: دار الرسالة العالمية، 1430هـ - 2009م. (كتاب الأحكام، باب مَنْ بَنَى فِي حَقِّهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ، حديث رقم 2341).

[4] أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي. ط1. بيروت: دار الرسالة العالمية، 1430هـ - 2009م. (كتاب الجهاد، باب في أدناهم يجير على المسلمين، حديث رقم 2758). والنسائي، أحمد بن شعيب. المجتبى من السنن (سنن النسائي). تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي. ط1. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1430هـ - 2009م. (كتاب الجهاد، باب جواز جوار المرأة، حديث رقم 4749).

[5] ابن قدامة المقدسي، عبد الله بن أحمد. المغني. ط1. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1405هـ. (9/237).

[6] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر. ط1. بيروت: دار طوق النجاة، 1422هـ. (كتاب الصلح، باب إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحٍ جَورٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، حديث رقم 2697). مسلم بن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي. (كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم 1718).

[7] الشاطبي. الموافقات في أصول الشريعة. (2/294).

[8] Stenersen, Anne. Al-Qaida in Afghanistan. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. و Lahoud, Nelly, et al. Letters from Abbottabad: Bin Ladin Sidelined? Combating Terrorism Center at West Point, 3 May 2012.

[9] الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي (الجامع الكبير). تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون. ط1. بيروت: دار الرسالة العالمية, 1434هـ - 2013م. (كتاب الأحكام، باب ما جاء في إنجاز الوعد، حديث رقم 1352). وأبو داود السجستاني. سنن أبي داود. (كتاب الأحكام، باب في الرجل يستغفل في البيع والعتق والنكاح، حديث رقم 3594).

[10] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. (كتاب الإيمان، باب خصال المنافق، حديث رقم 34). ومسلم بن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. (كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، حديث رقم 58).

[11] النووي، يحيى بن شرف. شرح صحيح مسلم. ط2. بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ. (12/259).

[12] ابن قدامة المقدسي. المغني. (9/202).

[13] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 7288). ومسلم بن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. (كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم 1337).

[14] ابن تيمية، أحمد عبد الحليم. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم. ط1. المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ - 1995م. (28/358).

[15] U.S. Department of Justice, Federal Bureau of Investigation. Hate Crime Statistics, 2000. Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 2001. و Hate Crime Statistics, 2001. Washington, D.C.: U.S. Government Printing Office, 2002.

[16] Pew Research Center. "Two Decades After 9/11, Americans' Views of Muslims are More Negative." Washington, D.C.: Pew Research Center, September 9, 2021.

[17] Peek, Lori. Behind the Backlash: Muslim Americans after 9/11. Temple University Press, 2011.

[18] U.S. Department of the Treasury, Office of Foreign Assets Control (OFAC). "Treasury Department Statement Regarding Holy Land Foundation for Relief and Development." Press Release, December 4, 2001. وبيانات وتقارير إضافية من FBI و OFAC بشأن تجميد أصول Global Relief Foundation و Benevolence International Foundation.

[19] Human Rights Watch. "The War on Terrorism and Human Rights." World Report 2003. New York: Human Rights Watch, 2003.

[20] Amnesty International. "Counter-Terrorism and Human Rights." Annual Report 2002. London: Amnesty International, 2002.

[21] قرار المحكمة العليا الروسية بتاريخ 7 مايو/أيار 2009 بحظر جماعة التبليغ والدعوة (Tablighi Jamaat) باعتبارها "منظمة متطرفة".

[22] Amnesty International. Report 2005 – Lebanon. و Human Rights Watch. World Report 2005 (قسم لبنان).

[23] Ottaway, Marina, et al. "Islam, Terrorism and the United States." Carnegie Endowment for International Peace, Middle East Center, 2003.

[24] Benard, Cheryl. Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2004.

[25] Pape, Robert A., and James K. Feldman. Cutting the Fuse: The Explosion of Global Suicide Terrorism and How to Stop It. Chicago: University of Chicago Press, 2010.

[26] United Nations Security Council. Report of the Secretary-General on the threat posed by ISIL (Da’esh) to international peace and security.... S/2016/501, 9 June 2016.

[27] United Nations Security Council. Report of the Secretary-General on the threat posed by ISIL (Da’esh) to international peace and security.... S/2014/815, 14 November 2014.

[28] Zelin, Aaron Y. "The Islamic State vs. al-Qaeda: Strategic Dimensions of a Prolonged Conflict." The Washington Institute for Near East Policy, Policy Notes, No. 33, February 2016.

[29] Berger, J.M., and Jonathon Morgan. "The ISIS Twitter Census: Defining and Describing the Population of ISIS Supporters on Twitter." The Brookings Institution, March 2015.

[30] United Nations Security Council. Report of the Secretary-General on the threat posed by ISIL (Da’esh). S/2017/573, 7 August 2017.

[31] الجزيرة. "تسجيل صوتي مذيع لأسامة بن لادن يعرض فيه هدنة مع أوروبا." تقرير إخباري، 15 أبريل 2004.

[32] الظواهري، أيمن. تسجيل صوتي: "النصر للإسلام". أغسطس 2013. و الحصاد المر: الإخوان المسلمون في ستين عاماً. بدون ناشر، 1991.

[33] مسلم، ابن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يكون الروم أكثر الناس، حديث رقم 2898).

[34] ابن تيمية، أحمد عبد الحليم. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. (20/48).

[35] العز بن عبد السلام، عبد العزيز بن عبد السلام. قواعد الأحكام في مصالح الأنام. (1/11).

 

الفيتو الأمريكي.. بين سقوط العدالة وبزوغ نظام عالم...
The "Gains" of September 11th
 

تعليقات

لا تعليق على هذه المشاركة بعد. كن أول من يعلق.