4 minutes reading time (894 words)

جئنا لنخرج العباد من عبادة ربّ العباد.. حسين رضا

WhatsApp-Image-2025-08-23-at-2.42.00-PM

لا زلت أتذكر أول خطبة سمعتها في الدوحة عام ٢٠١٤، اتصل بي صديق وطلب مني أن أقابله في مسجد
مصلى العيد، يومها جلست فإذا بالإمام على المنبر يقول اليوم بمشيئة الله تعالى مع اللقاء (ال١٢) من سلسلة قدرة الله في خلق الجمل، شعرت بأن النار تسري في أوصال جسدي كله، فأنا من أيام قلائل تركت خلفي مئات الشهداء وآلاف المصابين ومسيرات تصرخ ضد الظلم والفساد، هذا في مصر، غير واقع ليبيا المشتعل، وتونس التي تفور، واليمن الذي يحرق، فضلا عن قضيتنا الأم في الأرض المباركة.
صاحبي نظر إلى وشعر أني أهم بالوقوف وسمع مني تمتمة فضغط على فخذي، أنهى الرجل المغيب عن أمته خطبته، وما إن انتهينا من صلاتنا حتى قال لي صاحبي، لا تنزعج انظر هناك، فوجدت الكاميرا مصوبة نحو الشيخ المغيب إذ هو يصور الخطبة، فقال لي هو لا يحدثنا هو يخطب لجمهور اليوتيوب، وليس لأحد منا.
قلت له سأذهب وأحدثه، فكيف له أن يخطب مثل هذا الكلام في واقع أسود نعيشه، ثم ما حكايته مع الجمل حتى يخطب ١٢ خطبة، ولا يزال في الكلام بقية، هل سيذوق ناقته عائلته لجمل عائلة أخرى ويريد أن يفصح عن خصائص الجمل الموعد، وكيف هذا والناس تأتي إلى المسجد بسيارات أشبه بالطائرات!
تبسم صاحبي وطلب من الهدوء ومضينا، لكن الشاهد من كلامي، أن هناك إسلاما مزيفا يحتكم إليه بعض الناس لعدة أسباب، أهمها أنهم يرضون ضمائرهم المغيبة عن قضايا الأمة، ويقنعون أنفسهم بأنفسهم يلتزمون دين ربهم ويتعبدون كما يريد الإسلام بأداء الفرائض، ثم هم يأمنون على أنفسهم من بطش الحكام الفسدة في الدول التي يعتليها ظلمة، ثم هو يحسن اتباع منهج معين تربى عليه ويريد أن يغيب به الأمة مثلما تغيب هو، أم هو ينشر منهجا فاسدا، وأخرى من الأسباب قد تعدونها أنتم.
الحقيقة: هذا النموذج الذي حكيت عنه بات هو الأصل في بلاد المسلمين اليوم، فراحت هيبة المنابر وضعف تأثيرها وانتشرت بسببهم الموبقات لأن الناس لا يرون في هؤلاء قدوة صالحة للسير على هديهم.
 كما إن أي إسلام يحدثك عنه علماء السوء وشيوخ السلاطين والحكام هو إسلام مزيف لا علاقة له بدين السماء، إسلام تم تصنيعه في مصانع الأنظمة الحربية والسياسية لأجل تزييف إيمان الناس وإرضاء نزعة التدين فيهم بإيمان خرب.
الإسلام الآمن الذي يحدثك عنه أمثال هؤلاء ليس هو إسلام الوحي المنزل على محمد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا الإسلام بهذه السطحية ما أخرج المشركون رسول الله من مكة، وما قتلوا سمية برميها بحربة في موضع عفتها، وما عذّب أمية بنت خلف سيدنا بلال، ولا شوي على النار جلد خباب بن الأرت، ولا ذاق ويلات الإذلال والحر ونار الفقد عمار بن ياسر وما قضى أبوه نحبه على يده أعداء الله.
إن دين الله الحق هو الذي يسري في الحياة ليضبط إيقاعها فيصلح ما فسد منها، ويقوّج ما اعوج من أثاثات بنيانها، ويرمم ما تهدم من حوائطه.
إنني أكاد حين أغمض عيني أن أسمع صوت سيدي ربعي بن عامر وهو يهتف في وجه الطاغوت الفارسي (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عباد رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) وكل إسلام لا يقوم بهذه الوظيفة هو إسلام مزيف، لأن الواقع يشهد اليوم بأن كثيرا من المسلمين قبل غيرهم قد انسلخوا من عبودية الله الحقة إلى عبوديات زائفة على رأسها عبودية الحكام الفسدة. ولا يختلف عالمان على الحق كانا أو على النفاق أن حكام أمتنا اليوم ظلمة ضعفاء، ومنهم خونة، وأصدق الأدلة على ذلك أن دعاة السلاطين لا يحدثونك إلا عن حرمة الخروج على الحاكم الظالم، لأنه لا يختلف معك على ظلم الحاكم وإنما يختلف معك في عبودية هواه.
ثم اسمع إلى أولئك الذين يلقبون أنفسهم بالمداخلة الذين عبدوا هوى الحاكم الفاسد وهم يحدثونك عن حق الحاكم في الزنا واللواط وممارسة الفجور دون أن يعترض عليه أحد ما دام يقيم الصلاة، ولا أعرف ما قيمة الصلاة في حياة حاكم غفل عن مسؤوليات شعبه ودينه وتفرغ للفواحش، وهو منهج أعوج لا يستند إلى أدلة شرعية ولا مروءة بشرية، وإنما يستند إلى منهج خارج عن منهج أصحاب رسول الله، حتى ليكاد الواحد منهم يصرخ على المنبر (جئنا لنخرج العباد من عبادة رب العباد إلى عبادة الحاكم)
أيها الناس: ألا ليتذكر الجميع أن الله العظيم ما حرم على نفسه إلا الظلم، فكيف بهذا الإله العظيم الذي حرم الظلم لعلمه بأثره المشؤوم على النفوس أن يرسل جبريل عليه السلام برسالة وشريعة وقرآن إلى نبي اصطفاه من بين أهل الدنيا كلها ليحفظ ملك الحاكم الظالم عليه، وهو يستبيح أعراض الناس ويسرق مقدرات الأمة ويدمر دين الأجيال المتتالية ويمهد طرقات الكفر والفسق والإلحاد لمن شاء ويضيق على أهل الله في كل أرض، أي منطق يحتكم إليه هؤلاء.
هل تصدق أن الإسلام الذي حمله أصحاب رسول الله إلى الدنيا ليعبدوا الناس لله الواحد الأحد من خلال كسر سيف الظلم والطغيان المسلط على رقاب الناس في كل أرض ومصر حتى تتوفر لهم حرية اختيار الدين ومعرفة الشرائع هو هذا الدين الذي يسوّق له اليوم على شاشاتنا ليطالبنا بسحق كرامتنا البشرية والانسلاخ من قيمنا الإسلامية لأجل حفنة من الفسدة الذين لا يراقبون ربا ولا يخافون يوما تتقلب في الأبصار.
إني لأعجب من أناس يدعون أنهم دعاة إلى الله ويرون ما يعانيه إخوانهم في غزة وشباب وشيوخ الدعوة في سجون بلادنا ثم يقفون على المنابر ينادون: أيها الناس أطيعوا حكامكم فإن الجنة في طاعتهم والنار في مخالفتهم متناسين ما قاله رسول الله يوما لكعب بن عجرة، أعاذك الله ياكعب من إمارة السفهاء، فقال وما إمارة السفهاء يارسول الله، قال النبي: أمراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون على حوضي.

الآن أدركنا أن إمارة السفهاء ما كان لها أن تقوم فينا لولا الدعاة السفهاء. 

خواطر المرض تشخص الواقع البئيس
العالم على صفيح ساخن: أوكرانيا تُسلَّم لروسيا، وغز...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment