5 minutes reading time (914 words)

خواطر المرض تشخص الواقع البئيس

WhatsApp-Image-2025-09-03-at-6.27.04-P_20250903-213054_1


من قرابة شهرين شعرت بألم شديد مفاجئ في الكتف الأيسر، ألم يحتاج لمسكنات قوية، ثم امتد الألم وسرى في الذراع كله، ثم تطور لتنميل في الذراع الأيسر بأكلمه، ثم أصبح ذراعي ثقيلا وكأني أحمله، تناولت أكثر من دواء، وحافظت على بعض تمارين، لكن التعب لم ينته بعد. 

فكرة أن تقوم من نومك فتجد ذراعك (منمل) وكأن تيار كهرباء يسري فيه هي حقا مزعجة جدا، فكرة ألا تجد لك جلسة مريحة ولا وضعا يُذهب التعب هي أيضا مزعجة جدا، فكرة أنك لا تستطيع أن تحمل أضعف شيء بيدك، ولا أن تمسك بقبضتك أقل شيء هي أيضا أشد إزعاجا. 

مطلوب أشعة

طلب مني الطبيب أشعة من جهاز الرنين الخانق هذا، فظهر منها أن هناك خللا بسيطا بحسب التقرير في الفقرات والغضاريف يضغط على الأعصاب. 

خروج التقرير بهذه النتيجة كان حقيقة ملفتا جدا، قلت لنفسي سبحان الله العظيم، يقول لك نسبة بسيطة جدا، هذه النسبة البسيطة جدا كم أطارت النوم من عينيك، وكم أسهرتك ليلا، وكم أتعبتك نهارا، وكم حرمتك من حمل طفل تريد أن تلاعبه، ومن قيادة السيارة، أو حمل شيء تريد أن تشتريه، أو من كتابة خاطرة تولدت في عقلك، أو إتمام عمل أنت مكلف به، أو حمل جوالك بعض الوقت، فضلا عن أنك بت تشعر أن ذراعك صار حملا عليك ثقيلا. 

كالجسد الواحد

تعجبت لما تفكرت أن كل هذا الألم أو الخلل الذي أمر به، والذي قد عكر صفو الحياه، والذي قد يراه البعض يسيرا أو يراني البعض "كبرت الأمور"، ليس نابعا من الذراع نفسه، إذ إن أسباب الألم ترجع إلى العمود الفقري أو الفقرات العنقية، الشاهد أن الذراع نفسه ليس هو مصدر الألم وإنما هو المتألم، فحمدت الله لما أدركت أن هذا دليل صحة الجسد، ودليل حياة هذا العضو المتألم، فلو أنه عضو معتل ما تفاعل مع الجسد. 

لقد أخذني هذا الألم إلى واقعنا البئيس، فقلت إن أمة الإسلام قد وصفها رسول الله بالجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، واليوم نرى عضوا من جسد الأمة هو غزة يبتر من دون مخدر، يصرخ ويتألم ويئن ويترجى الجسد أن ينتبه له، أو أن يشعر بالحمى لأجله، أو أن يسهر لخلاصه، لكن الرأس المتمثل في الحكام والجيوش قد فسد، والقلب المتمثل في العلماء والدعاة والنخبة قد جبن واختل وتعلق بالدنيا أكثر مما تعلق بالله والدار الآخرة، وبقية الأعضاء المتمثلة في الشعوب لن تكون إلا نتاجا فاسدا لفساد الحكام والعلماء والنخبة. 

إن كل مسلم يتألم لواقع أمته وآلام إخوانه هو مسلم لا يزال يحمل حب الإسلام في قلبه، ولا يزال في إسلامه الخير، وفي علاقته مع الله السلامة، أما المسلم الذي غفل عن واقع إخوانه وأوجاع أمته فمثله كمثل العضو المشلول الميت، لا حياة في ولا فائدة منه. 

غفلة أنستنا النعم

يااااااالله؛ كم نحن في نعم غفلنا عن شكرها، بل ربما في مرات جحدناها دون إدراك، حتى استعملنا نعم الله في معصيته، أو خذلنا بها الحق في مقام ما، أو تهاونا عن أداء عبادة كما ينبغي أن نأديها.

إننا حقا غارقون في كرم الله رغم تقصيرنا، مُنعمون رغم شعورنا بضيق الحياة أحيانا. 

وآتاكم من كل مالم تسألوه

قلت لنفسي: إنك منذ ٤٣ عاما والله يحفظك عليك نعمة ذراعك هذا، كم مرة قمت أنت في الصباح فقلت اللهم اجعل ذراعي يعمل اليوم كما أحب؟ أو اجعل قبضة يدي تعمل كما أحب؟ فوجدتني ربما لم أفعلها، وإن كنت أديم الدعاء بالعافية كثيرا لكنني لم أخص بالذكر يوما ذراعا لا يؤلمني. 

شعرت كم أنا مقصر في حق الله، واستشعرت قول الملائكة وهي تنتفض بعد آلالاف وربما الملايين من سنين السجود أو الركوع أو التسبيح لتقول لربها "سبحانك ما عبدناك حق عبادتك!".

كم أخذ من غيرك وأبقاها لك

في نفسي قلت سبحان الله، كم أخذ الله من غيرنا نعما وأبقاها لنا، كم حرم غيرنا البصر وأبصرنا، وحرم غيرنا السمع وأسمعنا, وحرم غيرنا الكلام وأنطقنا، وحرم غيرنا الولد وأعطانا، وحرم غيرنا السكن أو العمل أو المال أو الأمن أو السفر أو أو أو أو وأعطانا، هذا حقا عجيب، لكن الأعجب أنه أعطانا دون أن نسأله. فهل شكرنا الله على ما أعطانا، ودعونا الله أن يعطي من حُرم. 

؟من يلتقط الحكمة

 حكمة الابتلاء لا يلتقطها إلا عبد لله، فالبلاء أو الابتلاء على ما فيه من آلام ظاهرة تكون فيه نعم مخفية وحكم منسية، لا يفقه هذه الحكمة إلا من تمثل العبودية لله، ونام واستيقظ وقلبه معلق بربه، يسعى في طاعته ويجاهد للهروب من معصيته، يرى فضله ويحمد نعمه ويكثر شكره، ولقد كان هذا وصف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يغفل برهة من الزمن عن ربه، وكان لسانه يردد ليلا ونهارا "أبوء لك بنعمتك علي" يقولها موقنا بفضل الله، شاكرا لأنعمه، معتذرا عن تقصير يراه من نفسه في حق مولاه، الذي لم يعبده أحد حق عبادته.

المؤمن الحق

إن المؤمن الحق هو الذي يتفكر في حكم الابتلاء ويعدُّها لكي يطبع نفسه على الحمد والرضا بما أجراه الله عليه، كما َيعدُّ غيره من الغافلين نقم البلاء وآلامه ليشعر نفسه بأنه مظلوم في عالم يموج في الأغنياء والمترفين، فينسى حمد الله وينشغل عن رؤية النعم الأخرى. 

لا يشكر من لا يُبصر 

إن شكر الله على نعمه مرهون برؤية العبد لنعم الله المنعم سبحانه، تلك النعم التي أغدقها الله عليه ومنحه إياها وجاد بها عليها من قبل أن يسأله، فمن تفكر في النعم وعدّها، وتفكر في حال من حُرمها، تيقظ لشكر الله قلبه، ومن غفل عن النعم التي وهبه الله إياها، وغض الطرف أو انشغل عن رؤية حال فاقديها غفل عن شكر الله قلبه، لذلك يقول لنا الله "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" ولربما يغلب على ظنك لو لم تكن سمعت الآية وحفظتها أن تقول وفي أنفسكم أفلا تشكرون، لكن سياق الآية أقوى وأعظم في الدلالة والمعنى، لأنك إن تفكرت في نفسك، فعلمت نعم الله عليك، تبصرت فضل الله وكرمه وجوده، وتبصرت بتقصيرك ومعصيته وغفلتك عن ربك، فهمت نفسك إلى الشكر خاضعة عابدة محبة لله المنعم، وقد ركبها الخجل من أن يكون خيره إليك نازل وشرك إليه صاعد. 

الشكر يديم النعم 

في إبراهيم يقول ربنا "ولئن شكرتم لأزيدنكم" الزيادة لها معان كثيرة، منها: أن شكر النعم يباركها ويجعل المسلم يحسها ويعرف أهميتها وفضلها. كما أن شكر النعم يزيدها وينميها ويوسع الله على الشاكر فيما وهبه. وإن شكر النعم يرضى الله عن العبد، ومن رضي الله عنه حفظ عليه نعمه وأمد له في فضله. 

بطلان فلسفة "التفل العنصري" ...
جئنا لنخرج العباد من عبادة ربّ العباد.. حسين رضا
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment