منذ نشأة المشروع الصهيوني، لم يتوقف سيل المبادرات والمفاوضات والمؤتمرات التي تُسوَّق للعالم تحت شعار «السلام». من كامب ديفيد [1] إلى مدريد [2]، ومن أوسلو [3] إلى وادي عربة [4]، ومن «خارطة الطريق» [5] إلى «صفقة القرن» [6]، والنتيجة واحدة: تمدد استيطاني، وتآكل في الأرض، وتفتيت في الموقف العربي، وإبقاء القضية الفلسطينية رهينة «وعود مؤجلة» و«آفاق مشروطة» لا تأتي أبدًا.
اليوم يعود المشهد في صورة جديدة، عبر ما يُسمى «مبادرة ترامب لإنهاء الحرب في غزة» [7]. لكن المبادرة ـ رغم ما تحمل من زخارف لغوية وشعارات إنسانية ـ ليست إلا نسخة مُحدَّثة من مشروع تصفية شامل، يُراد به أن تُسلَّم غزة مكبلة اليدين إلى وصاية دولية–عربية، بعد أن تُجرد من سلاحها، وتُحاصر إرادتها، وتُفرغ من مضمونها المقاوم.
فمن هو المستفيد الحقيقي؟ وما البنود التي تكشف جوهر هذه المبادرة؟ وهل نحن أمام «سلام» أم أمام «استسلام»؟
أولاً: وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن — السوق السوداء للدماء
ينص البند الأول على وقف فوري للقتال، وتبادل للأسرى والرهائن والجثث [7]. قد يظن القارئ غير المتابع أن في ذلك لمحة إنسانية، لكن الحقيقة أشدّ مرارة: غزة تُختزل إلى «سوق نخاسة»، تُعرض فيه الجثث في مقابل الجثث، والأسرى في مقابل رهائن.
في حين يدرك كل من له عينان أن الاحتلال هو الجهة التي قتلت الآلاف تحت الأنقاض، ثم تأتي اليوم لتساوم على جثة أسير مقابل جثث شعب بأكمله. إن هذا ليس سلامًا، بل قسمة جائرة تتعامل مع الفلسطيني كرقم زائد في معادلة سياسية–انتخابية، لا قيمة له إلا بقدر ما يخدم ترامب في حملته، ونتنياهو في بقاء حكومته.
ثانيًا: نزع السلاح والعفو — إذلال لا عفو
الفقرة الأخطر في المبادرة هي تلك التي تنص على «تجريد غزة من سلاحها» [7]. تفكيك الأنفاق، تدمير الصواريخ، مصادرة أي قدرة دفاعية، ثم تقديم «عفو» لمن يقبل «التعايش السلمي».
لكن أي عفو هذا الذي يُمنح للمظلوم؟! هل يُعقل أن يُطلب من شعب محاصر، ذاق ويلات المجازر، أن يلقي سلاحه ليُعفى من ذنب الدفاع عن نفسه؟!
الواقع أن هذه النقطة تمثل الترجمة المباشرة لشعار قديم–جديد: «نريد غزة مثل الضفة». أي منطقة منزوعـة السلاح، مُراقَبة بالكاميرات والحواجز، تُدار بالمنسق الأمني الإسرائيلي، وتُحرَم من أي قدرة على المقاومة.
إن نزع السلاح في مفهومهم ليس إلا نزعًا للكرامة، ومحاولة لتجريد الشعب من حقه المشروع الذي كفله له القرآن قبل القانون الدولي: {﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾} [8].
ثالثًا: المساعدات الإنسانية — إعمار مشروط بالاستسلام
تتحدث الخطة عن «مساعدات إنسانية» و«إعادة إعمار» تحت إشراف الأمم المتحدة [7].
لكن السؤال البديهي: من الذي دمّر أساسًا؟! أليست هي إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة؟!
كيف يتحول الجلاد إلى وصيّ على إعادة بناء ما هدمه؟! وكيف يكون الإعمار «مقابل» التنازل عن السلاح والسيادة؟!
إن الإعمار المشروط ليس إعمارًا، بل هو قفص كبير، تُرصّع جدرانه بالخرسانة، لكنه يبقى سجنًا. إعمار بلا مقاومة ليس إلا مشروعًا هشًا، يُدمَّر في لحظة نزق صهيونية جديدة. لقد خبرت غزة هذا النمط من «الإعمار»، إذ يُدفع المال من المانحين، ثم يُهدم البناء في حرب تالية، لتبدأ الدورة من جديد [9].
رابعًا: الحكم والإدارة — وصاية استعمارية بواجهة فلسطينية
المبادرة تقترح «إدارة انتقالية» تضم فلسطينيين وخبراء دوليين، بإشراف هيئة جديدة تنشئها واشنطن [7]. في الظاهر يبدو الأمر وكأنه إصلاح إداري، لكن في العمق هو وصاية استعمارية كاملة.
المطلوب ببساطة هو إقصاء المقاومة، وتهميش القوى الشعبية، وتمهيد الطريق لعودة سلطة عباس أو نسخة مشابهة، تكون أكثر طاعةً وامتثالًا للإملاءات الأمريكية–الإسرائيلية.
بهذا تتحول غزة إلى منطقة «خاضعة للإشراف الدولي»، كأي مستعمرة قديمة تدار بالتقارير واللجان، بينما تُدفن دماء الشهداء تحت أوراق البيروقراطية الأممية.
خامسًا: الأمن والقوات الدولية — الاحتلال بزيّ أزرق
من أبرز البنود نشر قوات دولية في غزة، بإشراف أمريكي–عربي، مع انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي [7].
لكن التاريخ لا ينسى: قوات الأمم المتحدة لم تحمِ يومًا ضحية، بل كثيرًا ما كانت أداة لحماية المعتدي [10]. في لبنان مثلًا، وقفت القوات الدولية مكتوفة الأيدي أمام العدوان الإسرائيلي [11]. وفي البوسنة، شهد العالم كيف تُركت المجازر لتقع تحت أعين القبعات الزرق [12].
فأي حماية سيوفرونها لغزة؟! إنها ببساطة إعادة إنتاج للاحتلال، ولكن بعلم مختلف ووجوه متعددة، بينما يظل القرار الفعلي بيد تل أبيب وواشنطن.
سادسًا: الضمانات السياسية — وعود كاذبة
تتعهد إسرائيل بأنها «لن تضم غزة» و**«لن تحتلها»** [7]. لكن من يصدق وعود كيان قام منذ نشأته على الاحتلال والتوسع؟!
لقد وعدوا في أوسلو بوقف الاستيطان، فماذا كانت النتيجة؟! تضاعف الاستيطان مرات عدة [3]. ووعدوا بدولة فلسطينية خلال خمس سنوات، فمضت عقود ولم يجنِ الفلسطيني إلا جدارًا أعلى، وحصارًا أعمق، ومجازر أبشع.
أما بعض الأنظمة العربية، فقد حيّدت نفسها بالمال وصفقات الغاز، لتصبح مجرد وسيط مطيع، يشتري شرعيته عند البيت الأبيض مقابل صمت مُذلّ على جراح غزة.
سابعًا: الطريق إلى الدولة الفلسطينية — بيع السراب
كالعادة، تُختتم المبادرة بفقرة «الدولة الفلسطينية» [7]. لكن النصوص مليئة بكلمة «قد»: قد تُتاح الظروف، قد يُفتح الأفق، قد تُوجد الدولة.
وكل «قد» في القاموس السياسي الصهيوني تعني المزيد من المستوطنات، والمزيد من التهويد، والمزيد من الوقائع المفروضة على الأرض [6].
إنها سياسة بيع الوهم: يبيعون للشعوب حلم الدولة، بينما يسرقون الأرض شبرًا شبرًا. يبيعون الأفق، بينما يضيّقون الخناق على الواقع.
وفي الختام: من المستفيد؟
نتنياهو: يتخلص من صداع غزة، ويظهر أمام جمهوره كرجل الدولة الذي نجح في «تحييد التهديد».
ترامب: يستثمر دماء غزة في حملته الانتخابية، ليقدّم نفسه كـ«صانع سلام» أمام الرأي العام الغربي.
الحكام العرب: يصفقون من بعيد، ويشترون بضع كلمات مديح من واشنطن مقابل التزامهم بخط الطاعة.
غزة: يراد لها أن تصبح مخيمًا كبيرًا منزوع السلاح، تنتظر دولة «قد» تأتي و«قد» لا تأتي.
لكن الحقيقة أن غزة أثبتت مرارًا أنها لا تُركع. فمنذ 2008م وحتى اليوم، قاومت أربعة حروب كبرى، وحصارات خانقة، ومجازر مروّعة، وظلّت واقفة. الميدان كاشف، والدم شاهد، والسلاح باقٍ حتى يأذن الله بنصره.
غزة ستظل رمز الصمود
مبادرة ترامب ليست سوى فصل جديد من مسرحية تصفية القضية الفلسطينية، تُكتب فصولها في واشنطن وتل أبيب، ويُطلب من العرب أن يلعبوا دور المصفقين.
لكن ما لم يدركه ترامب ونتنياهو أن غزة ليست عقارًا يُباع في صفقة تجارية، ولا مستعمرة تُدار بوصاية دولية. غزة هي أيقونة مقاومة، وجرح نازف، وصوت صارخ يقول للعالم: لا إعمار بلا حرية، ولا أمن بلا عدالة، ولا سلام مع قاتلٍ يطالب الضحية بإلقاء سلاحها.
المراجع
[1] Camp David Accords | Summary, History, & Facts. (n.d.). Britannica. Retrieved from https://www.britannica.com/event/Camp-David-Accords
[2] The Madrid Conference, 1991. (n.d.). U.S. Department of State. Retrieved from https://history.state.gov/milestones/1989-1992/madrid-conference
[3] Oslo Accords. (n.d.). Wikipedia. Retrieved from https://en.wikipedia.org/wiki/Oslo_Accords
[4] Israel–Jordan peace treaty. (n.d.). Wikipedia. Retrieved from https://en.wikipedia.org/wiki/Israel%E2%80%93Jordan_peace_treaty
[5] Road map for peace. (n.d.). Wikipedia. Retrieved from https://en.wikipedia.org/wiki/Road_map_for_peace
[6] "Deal of the Century": What Is It and Why Now? (2020, February 4). Arab Center Washington DC. Retrieved from https://arabcenterdc.org/resource/deal-of-the-century-what-is-it-and-why-now/
[7] Trump's 20-point Gaza peace plan in full. (2025, September 30). BBC News. Retrieved from https://www.bbc.com/news/articles/c70155nked7o
[8] Surah Al-Anfal, Ayah 60. (n.d.). Quran.com. Retrieved from https://quran.com/8/60
[9] The Politics of International Aid to the Gaza Strip. (n.d.). Palestine-Studies.org. Retrieved from https://www.palestine-studies.org/en/node/42602
[10] Does UN Peacekeeping work? Here's what the data says. (2022, December 10). UN News. Retrieved from https://news.un.org/en/story/2022/12/1131552
[11] United Nations Interim Force in Lebanon. (n.d.). Wikipedia. Retrieved from https://en.wikipedia.org/wiki/United_Nations_Interim_Force_in_Lebanon
[12] The Fall of Srebrenica and the Failure of U.N. Peacekeeping. (n.d.). Human Rights Watch. Retrieved from https://www.hrw.org/legacy/summaries/s.bosnia9510.html
Comments