يشهد المشهد السوري تحولات دراماتيكية متسارعة، حيث تتوالى التطورات التي تعيد رسم ملامحه من جديد. ففي الآونة الأخيرة، شنت إسرائيل ضربات جوية مركزة على مواقع تابعة للجيش السوري في محيط السويداء، وتزامنت هذه الضربات مع اشتباكات عنيفة داخل المدينة بين فصائل درزية محلية وقوات الحكومة السورية الانتقالية، التي يتزعمها أحمد الشرع، المعروف سابقًا بلقب "أبو محمد الجولاني" . وقد أكدت تقارير متعددة هذه الضربات الإسرائيلية على أهداف عسكرية في دمشق والسويداء، مشيرة إلى أنها جاءت في سياق تصاعد التوترات الداخلية في السويداء .
هذه الأحداث ليست مجرد تصعيد عابر، بل هي تعبير عن إعادة ترتيب استراتيجي عميق للواقع السياسي والأمني في سوريا. ففي هذا السياق، تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع صراعات محلية حادة، مما يجعل من سوريا ساحة تنافس جيوسياسي معقدة.
وتبرز السويداء، بتركيبتها الديموغرافية الفريدة وموقعها الاستراتيجي، كمقياس حاسم لمدى هشاشة الوضع في مرحلة ما بعد نظام الأسد. إن احتمالية تفكك البلاد إلى دويلات شبه مستقلة، وهو سيناريو ناقشه مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يضع المنطقة بأسرها أمام تحديات أمنية جسيمة، نظراً للموقع المحوري لسوريا في قلب الشرق الأوسط، بحدودها المشتركة مع العراق وإسرائيل والأردن ولبنان وتركيا.
هذا التزامن بين الاضطرابات الداخلية والتدخلات الخارجية ليس محض صدفة، بل هو ارتباط وثيق يوضح كيف أن عدم الاستقرار الداخلي في سوريا، خاصة عندما يتعلق الأمر بأقلية لها روابط تاريخية عابرة للحدود كالدروز مع إسرائيل، ويوفر ذريعة أو فرصة للقوى الخارجيةللتدخل. فالصراعات المحلية تُستغل غالباً من قبل الفاعلين الإقليميين لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية الأوسع، مما يجعلها مترابطة بعمق وليست أحداثاً منعزلة.
علاوة على ذلك، فإن الفترة الانتقالية التي تمر بها سوريا، بعد سقوط نظام الأسد الذي دام طويلاً وتشكيل حكومة جديدة ،
فتخلق فراغاً في السلطة ومناخاً سياسياً شديد التقلب.
والنظر إلى تحليل إمكانية انقسام سوريا إلى "دويلات مستقلة" خلال هذه الفترة أمر بالغ الأهمية. فهذا يعني أن المرحلة "الانتقالية" الحالية لا تتعلق بعملية مصالحة سورية داخلية عضوية بقدر ما هي فترة تنافس مكثف تسعى فيها القوى الخارجية بنشاط إلى تشكيل الكيان السوري الناشئ بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية.
فعملية الانتقال نفسها، بدلاً من أن تؤدي إلى الاستقرار، تصبح أرضاً خصبة لتفاقم التدخل الخارجي والتفكك
الداخلي.
السويداء: بؤرة صراع تاريخية ونفوذ خارجي
فعلى خلاف ما قد يُشاع، لم تكن السويداء يوماً قطعة أرض محايدة في المشهد السوري المعقد. بل كانت، على الدوام، بؤرة صراع استغلتها القوى الخارجية لتحقيق مكاسب سياسية . فالمجتمع الدرزي في السويداء، رغم صورته التي غالباً ما تُقدم على أنها "مسالمة"، كان دائماً جزءاً من المعادلات الاستراتيجية للقوى المسيطرة، سواء في العهد العثماني، أو خلال فترة الاستعمار الفرنسي، أو حتى في خضم الحرب الأهلية السورية . وقد لعب المجتمع الدرزي دوراً سياسياً حاسماً عبر تاريخ بلاد الشام، وتمتع باستقلالية كبيرة في ظل الإمبراطورية العثمانية، وقاد ثورات موثقة ضد الحكم الأجنبي، أبرزها الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة السلطان الأطرش ضد الانتداب الفرنسي .
وفي الوقت الراهن، يعيش الدروز في سوريا شعوراً بالعزلة والتهديد مفتعله، مما يدفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم في مواجهة التحديات .
وذلك في سياق استغلال الصراعات الداخلية، كاحتجاجات السويداء عام 2000 والتي عُرفت بـ "مذبحة عام 2000" أو "حوادث البدو"، التي اندلعت إثر مقتل شاب درزي على يد شيخ بدوي بسبب خلافات حول رعي الأغنام، مما أدى إلى قمع عنيف من قبل الجيش العربي السوري. ومع ذلك، فقد استُغل هذا الحدث، على الرغم من اختلاف تفاصيله، لزعزعة استقرار الجنوب السوري، مما يؤكد قابلية المنطقة للاستغلال الخارجي.
هذا النمط التاريخي، الممتد من الفترتين العثمانية والفرنسية وصولاً إلى الحرب الأهلية السورية، يظهر استمرارية في استغلال القوى الخارجية للانقسامات أو نقاط الضعف داخل المجتمع الدرزي لتحقيق مصالحها الخاصة . مما يشير إلى أن الإجراءات الإسرائيلية الحالية في السويداء ليست حادثة معزولة، بل هي استمرار لاستراتيجية إقليمية متأصلة، حيث تجعل الهوية الإثنية-الدينية الفريدة للدروز ووجودهم الجغرافي المكثف منهم نقطة دخول مناسبة للنفوذ الخارجي، مما يديم حلقة الصراع.
وفي تأكيد على الدور الاستراتيجي للدروز، خلصت دراسة نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط عام 2021 إلى أن "الدروز في السويداء لم يكونوا أبداً محايداً بالمعنى الحرفي، بل كانوا دائماً جزءاً من المعادلات الاستراتيجية للقوى المسيطرة، سواء النظام السوري أو القوى الإقليمية" .
هذا التقييم الأكاديمي يعزز الأهمية الجيوسياسية العميقة للمنطقة، التي تتجاوز حدودها المحلية . ويُعد المأزق الحالي الذي يجد فيه الدروز أنفسهم عالقين بين حكومة مركزية متصدعة، وجماعات متطرفة متجاسرة، ومناورات إسرائيل الإقليمية، مثالاً معاصراً لهذا النمط التاريخي .
وفي هذا السياق، يبرز ما أشار إليه مايكل يونغ في تحليله "جاذبية التقسيم"، حيث تُحوّل الأقليات في مثل هذه السيناريوهات إلى "بيادق يمكن الاستغناء عنها في الحروب بالوكالة". إن "عدم حيادية" الدروز، التي قد تبدو وكأنها استغلال لهم، يمكن فهمها بشكل أعمق كاستراتيجية عملية للبقاء على قيد الحياة. فإصرارهم على الاحتفاظ بأسلحتهم وميليشياتهم المستقلة، وشعورهم بالعزلة والتهديد المفتعله ، يشير إلى استراتيجية براغماتية، غالباً ما تكون يائسة، للبقاء في بيئة شديدة عدم الاستقرار حيث فشلت السلطات المركزية المتعاقبة في توفير الحماية الكافية.
كما أن نداءاتهم للحماية الدولية تدعم هذا التفسير. وهذا يعيد صياغة دورهم التاريخي من أدوات سلبية إلى فاعلين نشطين، وإن كانوا مقيدين، يتنقلون في ديناميكيات القوة المعقدة لضمان استمرارية مجتمعهم.
الحكومة الانتقالية الجديدة: تحديات التوحيد أم بوادر التفكيك؟
في مارس 2025، أُعلن عن تشكيل حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً على الصعيدين الداخلي والخارجي .
وقد سعت هذه الحكومة إلى إظهار صورة من الشمولية من خلال طرح وزارات ذات تمثيل رمزي للأقليات، كالدروز والأكراد والمسيحيين، تحت شعار "إعادة هيكلة سوريا وتوحيدها" .
وأكد الشرع، بعد الإطاحة ببشار الأسد، التزامه بالشمولية وحماية جميع الطوائف السورية المتنوعة. كما أكدت التقارير تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع .
ومع ذلك، سرعان ما ظهرت التوترات، حيث لم تقنع هذه الصيغة الجديدة القوى المحلية، خصوصاً في السويداء، التي ترفض نخبها الدرزية أي شكل من أشكال "الضم السياسي" تحت راية مركزية .
وعلى الرغم من محاولات أحمد الشرع السابقة، في مقابلة مع قناة "سكاي نيوز عربية" في مارس 2023 (قبل توليه القيادة الرسمية)، لإظهار صورة معتدلة، حيث عبر عن رغبته في "دولة مدنية تضم الجميع، تحمي حقوق الأقليات وتحترم التنوع" ، فإن الدروز وغيرهم من الأقليات قد تعمدوا فهم تحركات الدولة بصورة تشير إلى سعي للهيمنة، وليس التوافق. وقد استعانوا علانية بالقوى الخارجية تارة بفرنسا وتارة بأمريكا وإسرائيل .
ومع استمرار المواجهات تظل نقطة الخلاف الرئيسية هي إصرار الدروز(وغيرهم) الثابت على الاحتفاظ بأسلحتهم وميليشياتهم المستقلة، وهو ما يتعارض مباشرة مع جهود الشرع لتوحيد جميع الفصائل المسلحة تحت جيش موحد .
إن الهدف المعلن للحكومة الجديدة هو "التوحيد" ، لكن أساليبها العملياتية والمطالبة بنزع السلاح، هي في جوهرها ذاتية الهزيمة.
هذا يخلق مفارقة حيث أن محاولة تركيز السلطة نفسها قد تساهم بنشاط في المزيد من التفكك.
إن الضعف العسكري المتأصل للحكومة يعني أنها لا تستطيع فرض هذا التوحيد بفعالية، مما يؤدي إلى لامركزية فعلية أو استمرار الصراع الداخلي على الرغم من نيتها المعلنة. هذا يشير إلى أن خطاب "التوحيد" هو في الأساس أداة بلاغية للشرعية، تخفي وراءها عجزاً عملياً أو عدم رغبة في دمج من المجتمعات المتنوعة بشكل حقيقي. علاوة على ذلك، على الرغم من محاولات أحمد الشرع العلنية "للنأي بنفسه عن ارتباطاته السابقة بتنظيم القاعدة" وتبنيه "التعددية والتسامح" ، فإن الدروز وغيرهم من الأقليات "تعمدوا فهم تحركات الدولة بصورة مسيئة تشير إلى سعي للهيمنة، وليس التوافق". هذا يسلط الضوء على أن ماضي القائد، خاصة إذا كان مرتبطاً بإيديولوجيات غير مقبوله، يخلق انعدام ثقة عميقاً ومستمراً بين المجتمعات المتضررة، ولا يمكن تبديده بسهولة بمجرد التعهدات أو التمثيل الرمزي. هذا الإرث التاريخي يقوض بشكل كبير شرعية الحكومة الجديدة بين المجتمعات المتنوعة، ويوفر مبرراً مستمراً لمقاومتهم، والأهم من ذلك، للقوى الخارجية للتدخل تحت ستار "الحماية".
وتواجه الحكومة الجديدة، على الرغم من دعوتها إلى "الوفاق الوطني"، تحديات جمة:
الانقسامات الداخلية: عدم اعتراف المناطق ذات الحكم الذاتي، كالسويداء وشمال شرق سوريا، بشرعيتها، مما يضعف قدرتها على بسط السيطرة . وتُعتبر الحكومة الحالية في كثير من الأحيان "جيش المتمردين"، أي تحالفاً من مجموعات متباينة، بدلاً من تجسيد حقيقي للوحدة الوطنية، مما يعيق قدرتها على تحقيق مصالحة وطنية شاملة .
الخلافات مع تركيا: توتر العلاقات مع أنقرة بسبب الخلاف حول طبيعة النظام السياسي المرتقب، وخاصة دعم تركيا لبعض الفصائل السنية . وعلى الرغم من انخراط تركيا في جهود المصالحة مع الحكومة السورية الجديدة، إلا أن مصالحها الاستراتيجية الأساسية تظل تتمحور حول منع ظهور منطقة كردية مستقلة، ووقف موجات الهجرة الجديدة، وربما إعادة بعض اللاجئين السوريين، بدلاً من الالتزام الكامل بتوطيد النظام الجديد .
الضعف العسكري: عدم قدرة الجيش النظامي الجديد على فرض السيطرة على المناطق الخارجة عن النفوذ، مما يترك فراغاً أمنياً تستغله قوى أخرى .
إن هذا التركيز العاجل على إعادة بناء الجيش لأغراض الأمن الداخلي ينطوي على مخاطر ترسيخ نموذج حكم يعتمد بشكل كبير على العسكرة، مما يؤخر الإصلاحات المؤسسية الأوسع الضرورية لإطار سياسي متوازن ومستدام.
إسرائيل: الدوافع المعلنة والأهداف الخفية
تمثل الضربات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، وخاصة في الجنوب، حالة من القلق المستمر، وتثير تساؤلات حول دوافعها وأهدافها الحقيقية .
الأسباب المعلنة:
تعلن إسرائيل رسمياً عن مبررين رئيسيين لضرباتها:
أمن الحدود: تخشى إسرائيل من تحول الجنوب السوري إلى قاعدة للميليشيات المرتبطة بإيران أو الجماعات السنية الراديكالية التي قد تهدد أمنها القومي .
هذا القلق متجذر بعمق في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد المتمثلة في الحفاظ على "حزام أمني" لمنع القوات المعادية من الاقتراب من حدودها. وقد طُبّقت هذه السياسة تاريخياً في جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، حيث دعمت إسرائيل الميليشيات المحلية لإنشاء منطقة عازلة .
حماية الدروز: أعلنت إسرائيل رسمياً أن ضرباتها تستهدف حماية الأقلية الدرزية من تدخل الحكومة بالقوة، خاصة مع وجود روابط تاريخية وعائلية عميقة بين دروز سوريا ودروز إسرائيل .
وقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني غانتس في تصريح لصحيفة "يديعوت أحرونوت" في أبريل 2023 هذا الموقف، قائلاً: "لن نسمح بتحويل سوريا إلى منصة لإيران أو حزب الله.
نحن ملتزمون بسياسة الحزام الآمن على الحدود الشمالية" .
وعلاوة على ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي من جانب واحد عن "منطقة منزوعة السلاح" في جنوب سوريا، تحظر صراحة إدخال القوات والأسلحة إلى المنطقة، وهدد بتكثيف الهجمات إذا لم تنسحب القوات الحكومية .
الأهداف الخفية والحسابات الاستراتيجية:
وراء الدوافع المعلنة، يكشف تحليل أعمق عن عدة أهداف استراتيجية تدعم الإجراءات الإسرائيلية:
تحجيم النفوذ التركي: تخشى إسرائيل من تنامي التحالف بين الحكومة السورية الجديدة وتركيا، التي تربطها علاقات بفصائل سنية مسلحة قد تشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل في المستقبل.
إن العلاقة الوثيقة بين الحكومة السورية الجديدة وتركيا ، إلى جانب طموحات تركيا الإقليمية الخاصة، بما في ذلك منع الحكم الذاتي الكردي، تخلق ديناميكية جيوسياسية معقدة تسعى إسرائيل بنشاط لإدارتها وتقويضها إن أمكن.
منع سيطرة مركزية قوية: ترى إسرائيل أن "سوريا الضعيفة" هي الضامن الوحيد لأمن حدودها. فالدولة السورية الموحدة والقوية، بغض النظر عن توجهها الأيديولوجي، قد تصبح في المستقبل مصدر تهديد لها.
وقد عبر الدكتور إيال زيسر، الباحث البارز في معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) ونائب رئيس جامعة تل أبيب عن هذا الرأي في مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" في يوليو 2023، قائلاً: "إسرائيل تفضل سوريا مقسمة ومقسمة داخلياً، لأن هذا الواقع يمنع ظهور أي تهديد استراتيجي لها. الضربات في الجنوب السوري ليست صدفة، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى" . ويدعم هذا المنظور التحليل الذي يشير إلى أنه بينما أدى سقوط الأسد إلى إزالة رابط حاسم لإيران وحزب الله، فإن ظهور جماعات متطرفة غير متوقعة مثل هيئة تحرير الشام (HTS) تحت الحكومة الجديدة يمثل تحديات جديدة وغير مؤكدة .
اختبار قوة الحكومة الانتقالية: إن رسالة الضربات الإسرائيلية واضحة: "إذا حاولت فرض سلطتك بالقوة، فإنك تواجهنا أيضاً" .
وتُعد هذه الضربات بمثابة خط أحمر تضعه إسرائيل لأي محاولة لفرض السيطرة الكاملة على الجنوب السوري .
الدفع نحو الفيدرالية: من خلال إضعاف السلطة المركزية، تساهم إسرائيل، عن قصد أو غير قصد، في تحويل سوريا إلى كيانات متعددة الهوية، مما يخدم رؤيتها لـ"سوريا المجزأة" وغير المهددة لأمنها .
ويصرح مايكل يونغ، في تحليله "جاذبية التقسيم"، صراحة أن "أفعال إسرائيل في سوريا تبدو أنها تفضل تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية وعرقية" لضمان جيران ضعفاء ومنع أي تحدٍ ذي مصداقية لضمها لمرتفعات الجولان .
وتجد هذه الاستراتيجية سابقة تاريخية في سياسات الانتداب الفرنسي بإنشاء دويلات طائفية مستقلة في سوريا.
إن الحديث عن "حماية الأقليات" من جانب إسرائيل، وخاصة الدروز (الذين يسمونهم في إسرائيل بكلاب الحراسه)، يحمل في طياته أبعاداً استراتيجية أعمق وأكثر تعقيداً. فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن إسرائيل قامت بتسهيل "رحلة حج للدروز السوريين إلى موقع مقدس في شمال إسرائيل" وتعاملت معهم بشكل استراتيجي كـ"مجموعة إثنية-دينية متميزة بشكل مناسب لمصالحها" .
هذا الفصل الدقيق للدروز عن النسيج العربي والإسلامي الأوسع في سوريا يشير إلى أن "الحماية" ليست مجرد عمل إيثاري، بل هي أداة محسوبة لزرع ولاء مجتمعي يشكل منطقة عازلة، وربما استغلالهم في الخدمة العسكرية (فالدروز في إسرائيل هم العرب الوحيدون الملزمون بالخدمة العسكرية) ، ولتفاقم الانقسامات الداخلية داخل سوريا. هذا يحول السرد الإنساني الظاهري إلى مناورة جيوسياسية ذكية، حيث يخاطر الدروز، على الرغم من أي حماية ظاهرة، بأن يصبحوا "بيادق يمكن الاستغناء عنها" في لعبة قوة إقليمية أوسع.
كما أن مفهوم "الحزام الأمني" الإسرائيلي، كما طبق تاريخياً في جنوب لبنان ومنطقة عازلة في غزة ، ليس مجرد سياسات سابقة، بل هو نمط عمل ثابت لإسرائيل لإنشاء مناطق نفوذ وسيطرة فعلية خارج حدودها المعترف بها دولياً. إن الإجراءات الحالية في جنوب سوريا، بما في ذلك الإعلان أحادي الجانب عن "منطقة منزوعة السلاح" والتهديدات الصريحة بتكثيف الضربات ، تشير بقوة إلى استراتيجية طويلة الأمد مماثلة. هذا يعني أن إسرائيل لا تكتفي بالرد على التهديدات الفورية، بل تشارك بنشاط في هندسة جيوسياسية لتشكيل الواقع على حدودها الشمالية. هذا يتجاوز الموقف الدفاعي البحت إلى استراتيجية نشطة تهدف إلى ترسيخ النفوذ ومنع ظهور أي دولة سورية قوية وموحدة في المستقبل قد تشكل تحدياً لمكانتها الإقليمية أو لضمها لمرتفعات الجولان.
السيناريوهات القادمة: مسارات سوريا المتشابكة
تفتح التطورات الأخيرة في السويداء ودمشق الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل سوريا:
تدخل الوسطاء الإقليميين:
من المتوقع أن تتحرك دول مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأمور نحو حرب أهلية جديدة .
تدرك هذه الدول أن استمرار الفوضى قد يُضعف الأمن الإقليمي ويُعزز النفوذ الإيراني أو الإسرائيلي على حساب مصالحها . ومع ذلك، فإن تورط هذه الدول تاريخياً في الصراع السوري كان معقداً، حيث دعمت في كثير من الأحيان فصائل متنافسة، مما أفاد نظام الأسد عن غير قصد أو ساهم في صعود الجماعات المتشدده .
ورغم أن جهود المصالحة جارية بالفعل بين بعض هذه الأطراف الإقليمية (مثل تركيا ومصر) ، إلا أن مصالحها الفردية في سوريا تظل معقدة ومتضاربة في كثير من الأحيان، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل النفوذ الكردي أو دعم جماعات إسلامية محددة .
إن التوقعات بتدخل الوسطاء الإقليميين، على الرغم من أهميتها، تواجه قيوداً متأصلة في ظل مشهد تحكمه المصالح الذاتية. فبينما يُتوقع من القوى الإقليمية أن تتوسط ، فإن المقتطفات تكشف عن تنافسات عميقة ومصالح متضاربة بينها. على سبيل المثال، دعمت قطر والمملكة العربية السعودية تاريخياً فصائل متنافسة، وتركيا تهتم في المقام الأول بأمنها القومي فيما يتعلق بالحكم الذاتي الكردي وتدفقات اللاجئين، وليس بالضرورة استقرار سوريا الموحدة. هذا يشير إلى أن أي جهود وساطة ستكون مدفوعة على الأرجح بالرغبة في تأمين أو توسيع مجالات نفوذها الخاصة، بدلاً من الالتزام الحقيقي والطوعي بدولة سورية موحدة ومستقرة. إن مفهوم "الحرب الباردة العربية الجديدة" يعني أن الوساطة قد تؤدي فقط إلى وقف إطلاق نار مؤقت أو ترتيبات لتقاسم السلطة تضفي طابعاً رسمياً على التفكك القائم، بدلاً من حل الدوافع الأساسية للصراع بشكل جوهري.
تراجع الحكومة تكتيكياً:
قد يضطر أحمد الشرع إلى التهدئة المرحلية لتفادي فتح جبهات غير محسوبة داخلياً وخارجياً، خصوصاً في ظل هشاشة الدعم الشعبي لحكومته خارج المناطق السنية التي تدعمها . فالحكومة الجديدة، رغم محاولاتها لإظهار القوة وتوطيد السلطة، لا تملك بعد دعماً شعبياً واسعاً خارج قاعدتها الأساسية .
إن القيود الكبيرة التي تواجهها حكومة الشرع، بما في ذلك نقاط ضعفها العسكرية والانقسامات الداخلية المستمرة، تستلزم ضبطاً محسوباً للتخفيف من حدة المزيد من عدم الاستقرار ومنع الإجراءات العقابية من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين .
استمرار الضربات الإسرائيلية والدعم غير المباشر:
إذا استمرت الحكومة في التمدد جنوباً، فمن المرجح أن تواصل إسرائيل سياسة "الحزام الآمن" عبر ضربات متقطعة . وقد تلجأ تل أبيب إلى دعم مجموعات محلية مسلحة لمواجهة النفوذ الحكومي، كما فعلت في جنوب لبنان مع "القوات اللبنانية" خلال الثمانينيات، لتأمين مصالحها بشكل غير مباشر . يهدف هذا النهج إلى حماية المصالح الإسرائيلية من خلال تعزيز الوكلاء المحليين والحفاظ على جنوب سوريا ضعيفاً ومجزأً. ويؤكد إعلان إسرائيل أحادي الجانب عن "منطقة منزوعة السلاح" وتهديداتها الصريحة بتكثيف الهجمات إذا لم تنسحب القوات الحكومية، هذا الموقف الاستباقي والحازم .
إن الأمثلة التاريخية لـ"الحزام الأمني" الإسرائيلي في جنوب لبنان ومنطقة عازلة في غزة لم تكن تدخلات قصيرة الأجل، بل كانت ارتباطات طويلة الأمد تهدف إلى إنشاء ترتيبات أمنية دائمة.
إن الإجراءات الإسرائيلية الحالية في السويداء، بما في ذلك إنشاء "منطقة منزوعة السلاح" والتهديدات الصريحة بشن ضربات مستمرة ، تشير بقوة إلى نية استراتيجية طويلة الأمد مماثلة لجنوب سوريا.
هذا يعني أن إسرائيل لا تكتفي بالرد على التهديدات الفورية، بل تشارك بنشاط في هندسة جيوسياسية لتشكيل الواقع على حدودها. هذا يتجاوز الموقف الدفاعي البحت إلى استراتيجية نشطة تهدف إلى ترسيخ النفوذ ومنع ظهور أي دولة سورية قوية وموحدة في المستقبل قد تشكل تحدياً استراتيجياً.
احتمال التقسيم الواقعي:
إذا فشلت الحكومة الجديدة في فرض سلطتها على الجنوب، فسيكون ذلك بمثابة أول خطوة عملية في اتجاه تقسيم سوريا فعلياً إلى كيانات شبه مستقلة، حتى دون إعلان رسمي . وقد تتحول سوريا في هذا السيناريو إلى نموذج مشابه لليبيا أو الصومال، حيث يسيطر "المركز" (دمشق) على منطقة محدودة فقط، بينما تدار باقي المناطق من قِبل حكومات محلية تتمتع باستقلال ذاتي واسع .
وهذا السيناريو يعزز رؤية "التقوقع الأمني" الإسرائيلي، والذي يعني انسحاب القوى الكبرى أو الإقليمية إلى مناطق نفوذها المباشر وترك المناطق الأخرى في حالة من الفوضى أو الصراع الداخلي .
إن المقارنة بليبيا، التي انقسمت فعلياً إلى منطقتين تدعمهما قوى خارجية متنافسة وتعاني من انتشار واسع للفوضى، تقدم توضيحاً صارخاً ومقنعاً لهذا المستقبل المحتمل لسوريا .
سوريا الجديدة أم سوريا المفككة؟
إن ما يجري في السويداء ليس مجرد اشتباك موضعي، بل هو اختبار شامل لمستقبل الكيان السوري برمته. فالسؤال الجوهري الذي يواجه المنطقة هو: هل ستتوحد سوريا من جديد تحت سلطة مركزية قابلة للحياة؟ أم أنها مقدر لها أن تتحول إلى فسيفساء من الكيانات العرقية والطائفية المتنازعة؟ .
وتؤكد التحليلات المستمرة احتمالية تفكك سوريا .
إن الضربات الإسرائيلية في سوريا ليست مجرد رد فعل على تهديدات فورية؛ بل هي جزء لا يتجزأ ومقصود من استراتيجية أوسع لرسم هذه الخارطة الجيوسياسية الجديدة.
تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز نفوذ إسرائيل وأمنها، وغالباً ما يكون ذلك على حساب وحدة الأراضي السورية وتماسكها الوطني .
يتماشى هذا النهج الاستراتيجي تماماً مع تفضيل إسرائيل القديم لسوريا ضعيفة ومجزأة، وهو منظور عبر عنه محللون بارزون مثل إيال زيسر ومايكل يونغ . وعلاوة على ذلك، فإن سعي إسرائيل لتمييز وتنمية مجموعات إثنية-دينية معينة، كالدروز والعلوية، يخدم هدفاً مزدوجاً: إنشاء مناطق عازلة استراتيجية على طول حدودها، وتفاقم الانقسامات الداخلية داخل سوريا، وبالتالي منع ظهور خصم موحد وقوي .
إن التفكك ليس مجرد نتيجة عرضية للصراع، بل هو هدف استراتيجي متعمد ونشط لبعض القوى الإقليمية. هذا مدفوع بارتباط سببي واضح: فسوريا الموحدة والقوية يمكن أن تشكل تحدياً كبيراً لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان ولهيمنتها الإقليمية الأوسع. لذلك، تُتبع التدابير النشطة لتعزيز التفكك كاستراتيجية أمنية وجيوسياسية أساسية. وهذا يتجاوز سوريا، ليتماشى مع أجندة أوسع تهدف إلى "إضعاف العالم الإسلامي من الداخل" ، مما يشير إلى تصميم جيوسياسي أكبر وأطول أمداً.
وفي نهاية المطاف، فإن تقسيم سوريا – أو تفكيكها سياسياً – ليس في مصلحة الأمة الإسلامية. بل هو تحقيق مباشر لأجندات غربية وإقليمية طالما عملت على إضعاف العالم الإسلامي من الداخل، من خلال تغذية النزاعات الداخلية والتفكك. وتستمر الأنماط التاريخية لاستغلال القوى الخارجية للانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب جيوسياسية في سوريا المعاصرة، مما يحول السكان المحليين فعلياً إلى بيادق في صراعات بالوكالة أكبر وأكثر تعقيداً تخدم مصالح خارجية.
ونسأل الله أن يخيّب كل مسعى لتقسيم بلاد المسلمين، وأن يجمع شملهم على الحق والعدل والتوحيد.
المراجع:
Carnegie Middle East Center. (نوفمبر 2021). "Syria's Minorities and the Future of the State".
مقابلة أحمد الشرع مع "سكاي نيوز عربية"، 20 مارس 2023. (ملاحظة: النص الدقيق للتصريح المذكور في المقال ذكر بالمعنى).
غانتس، بيني. تصريح لـ"يديعوت أحرونوت"، 5 أبريل 2023.
زيسر، إيال. (يوليو 2023). "Israel's Strategy in Post-Assad Syria". The Jerusalem Post.
رغم انخراط الدروز في مؤسسات الدولة الإسرائيلية وخدمتهم الإلزامية في الجيش، إلا أنهم لا يُعاملون كمواطنين متساوين. فقد ألغى "قانون القومية" لعام 2018 أي التزام قانوني بالمساواة، ومنح حق تقرير المصير لليهود فقط. تعاني البلدات الدرزية من نقص حاد في الميزانيات والحقوق مقارنة بالمجتمعات اليهودية. ويؤكد قادة دروز بارزون أن هذا القانون أهان تضحياتهم وأقصاهم سياسيًا. هكذا يتضح أن "الاندماج الظاهري" لا يخفي حقيقة التمييز البنيوي ضدهم في إسرائيل.
(Adalah Legal Center, Haaretz, Carnegie Middle East Center, 2018–2023)
Comments