17 minutes reading time (3306 words)

هل تستحيل المصالحة بين النظام المصري والإخوان؟

ChatGPT-Image-Sep-23-2025-07_16_38-PM

لا تصالح لا تخون العهد باسم التسامح، هل تراك نسيت الدم، هل يطيب العيش بعد تلك المذابح. لا تصالح. إنها  صرخة تيار كامل ذاق مرارة القتل والخيانة والتشريد والسجن والمطاردة والكذب والبهتان. وكان لابد من عرض وجهة نظره في الصلح بين الإخوان والنظام، وربما حُذفت كلمة "المصري" لأن أصحاب هذا التوجه يرفضون وصف نظام صهيوني أكثر من الصهاينة بأنه "مصري الوطن". وعندما نطرح هل يستحيل التصالح مع النظام والإخوان؟ تكون الإجابة المبررة بحجج متتابعة: نعم بالتأكيد. وأبرز هذه المبررات هو حجم الكارثة التي ارتكبت على أثر الانقلاب.

الكارثة الإنسانية بعد الانقلاب

لم يكتفِ الجيش بقيادة السيسي بخيانة رئيسه المنتخب، بل ارتكب عشرات المذابح في أنحاء مصر، كان أكبرها - باعتراف النظام - مذابح رابعة والنهضة ورمسيس بالقاهرة والقائد إبراهيم بالإسكندرية. فمنذ انقلاب يوليو 2013 سالت الدماء أنهارًا، ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن فضّ اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013 تميز بعنف مفرط استخدمت فيه المدرعات والذخيرة الحية، وأسفر عن مئات القتلى، حيث رأت المنظمة أن عدد القتلى في رابعة وحدها لا يقل عن 817 قتيلًا، وأن هذا العنف قد يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية [1].

هذه ليست مجرد أرقام جامدة، بل قصص بشرية لعائلات شُطبت من الحياة العامة. علاوة على ذلك، سُجّن وعُذّب ما يزيد عن عشرات الآلاف، حيث وثّقت منظمة العفو الدولية أن مصر بعد 2013 أصبحت "سجنًا مفتوحًا" لخصوم النظام [2]. ووصلت أعداد المعتقلين إلى أكثر من 120 ألفًا وفق تقديرات حقوقية مستقلة خلال العقد الماضي [3].

أما المحاكم، فكانت أداة أخرى للقمع، حيث أصدرت مئات من أحكام الإعدام الجماعية، وصفتها الأمم المتحدة بأنها "سابقة خطيرة وخرق صارخ للعدالة" و"سخرية من العدالة" [4].

لم يكتف النظام باعتقال النشطاء والقيادات، بل وسّع الدائرة لتطال أسر المعارضين، ثم المتعاطفين، بل وحتى من يتهمهم الإعلام بـ"التعاطف مع المتعاطفين". هذه هي "دائرة الظلم" التي تحوّلت لنهج رسمي، تستهدف الجذر لا الفرد. وقد مُحيت عائلات بالكامل بين قتل وسجن وتشريد خارج البلاد، بل امتدت آلة القمع إلى المطاردة الأمنية الخارجية بأحكام عسكرية تعسفية، وسحب جنسيات البعض، ومنعهم من الحصول على أي أوراق رسمية [5].

هذا الكم الهائل من الظلم والقهر غير المبرر خلق شرخًا اجتماعيًا وعداوة للنظام لا يمكن التئامها. فهذا القمع الفريد في منهجه والمستمر يجعل من المستحيل طرح المصالحة، وكل من يطرحه واهم في نظر هؤلاء الضحايا.

إن هذا الكمّ من القتل والسجن والتشريد خلق شرخًا اجتماعيًا لا يُعالج بكلمة "تسامح" تُلقى في مؤتمر أو بصفقة إعلامية. ومن فقد بيته وعائلته ووطنه، لن يقتنع بأن كلمة "مصالحة" كفيلة بمحو ذاكرة المقابر والسجون والمنافي.

الجانب العقدي

يعتبر الإخوان النظام الحالي بغاة، والمواجهة معه من باب دفع الصائل المعتدي، كما قرر الفقهاء أن للمسلمين دفع من يعتدي عليهم ولو كان مسلمًا، عملاً بقول النبي ﷺ: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد» [6].

هذه النظرة العقدية التي تبنّتها أدبيات الجماعة تختلف عن طرح الجماعات الجهادية التي وصفت النظام والجيش بأنهم «طائفة ممتنعة» عن شعائر الإسلام ومرتدون يجب قتالهم [7].

الإخوان، رغم أنهم لم يخرجوا النظام من دائرة الإسلام، ما زالوا يرونه صائلًا معتديًا يجب أن يكف عداءه ويخضع لحكم الله.

فلا صلح عندهم إلا باقتصاص عادل ممن قتل الآلاف من جموع الشعب، وفي مقدمتهم السيسي باعتباره خائنًا لرئيسه المنتخب وقادة المذابح الذين أداروا عمليات القتل الجماعي.

ورغم أن بعض السلفيين طرحوا مبادرات لطي صفحة الدم عبر الديات لكلا الطرفين، فإن الإخوان لا يعترفون بهذا المخرج الشرعي في هذه الحالة. فمن قُتل من رجال النظام، على ندرتهم، لا يُعاملون عندهم كأبرياء، بل كخونة يصدق عليهم حكم الصائل المعتدي الذي لا دية له. يقول ابن قدامة في المغني: "إذا دخل رجل على قوم يريد قتلهم أو أخذ مالهم، فدفعوه فقتلوه فلا ضمان عليهم" [8].

وعليه، يظل الموقف العقدي داخل الجماعة مسدودًا أمام أي مصالحة شكلية، إذ لا يمكنهم تبريرها لجمهورهم إلا بوجود قصاص عادل أو محاكمات حقيقية، وهو ما يجعل الاستحالة أقرب من الإمكانية.

هذا علاوة على ظهور تيار داخل الإخوان — ومن حولهم من بعض المرجعيات الإسلامية في الخارج — يرى أن النظام مرتدّ شرعًا.  وهذا التيار  لا يتكلم بلغة السياسة المجردة؛ بل يتكلّم بلغة أحكام عقدية: من وجهة نظرهم النظام «باغٍ» وقد خان أمانة الحكم واعتدى على دماء المسلمين، والسيسي نفسه صرّح مرارًا أنه تدخل لمنع حكم جماعة إسلامية، وهذا الكلام يُقرأ عند هؤلاء كدليل مادي على الخروج عن مقاصد الجماعة وغاية التمكين الديني التي تأسست من أجلها [9].

المحصلة أن هناك فرقًا بين خطاب الإخوان الرسمي التقليدي (الذي يسمّي النظام «باغيا» ويطالب بوقف العدوان) وخطاب تيارٍ آخر داخل الحاضنة الأوسع يقول بالحكم الشرعي الأدقّ: الردة. 

الأولى تبرّر المقاومة على أساس دفع المعتدي، والثانية تذهب إلى درجة إعلان عدم مشروعية حكمه دينياً، وهو قفزٌ عقدي يقطع الطريق عمليًا أمام أي صيغة صلح ترتضي بقاء النظام كما هو. بعض قادة الجماعة في الأسر أو المنفى عبّروا عن رفضٍ قاطع لأي «تحالف» مع رجل وصفه قادتها علنًا بـ«الطاغية» أو «المحتلّ» للنص السياسي الإسلامي، وهو ما يجعل مصطلح «المصالحة» عند قاعدة واسعة يبدو كخيانة للدم والهدف [10].

لا أقلّل هنا من وجود تيارات داخل الجماعة أنجع نحو التسوية أو المناورة السياسية، لكن الحقيقة العقدية التي رُسّخت بعد 2013 — أن هناك من يقرأ فعل الانقلاب وسفك الدماء باعتباره خروجًا عن دين الحكم — تجعل قبول الصلح شِبهَ مستحيلٍ لدى شريحة ليست قليلة من القواعد والمرجعيات. 

وفي هذا التباين العقدي يكمن جزءٌ كبير من استحالة المصالحة: لأن الصلح بين طرفين، واحدٌ منهما محسوبُه عقديًا/شرعيًا كـ«ردّة»، لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق سياسي ولا كلمة «مصالحة» تمحو هذه المرجعية الدينية المتجذرة [11].

الجانب السياسي

سياسيًا، نجح النظام في أن يُحكم قبضته على الدولة، وسيطر على مفاصلها بكل الأساليب القمعية، حتى بدا وكأن الساحة قد أُعيد تشكيلها من جديد على مقاسه. السيسي لم يكتفِ بالقوة، بل صاغ خطابًا شيطانيًا متكررًا، يوسم به الإخوان بأنهم «أهل الشر»، وقال في تصريحات علنية إنهم «لا يستحقون التعاطف» [12]. 

هذا الخطاب جعل أي حديث عن مصالحة أقرب إلى الوهم؛ لأن فتح ملفات القتل والاعتقال يعني اعترافًا رسميًا بجرائم ارتُكبت، وبمسؤولية شخصية عنه.

القمع الأمني لم يكن عارضًا بل أصبح نهجًا. التقديرات الرسمية والدولية تتحدث عن 20–60 ألف سجين سياسي [13]، لكن تقديرات المعارضة المصرية تؤكد أن العدد الحقيقي تجاوز 160 ألف معتقل، بين محكوم عليهم ومحبوسين احتياطيًا ومختفين قسريًا. وهذه ليست مجرد أرقام، بل قصص لعائلات كاملة طُحنت: أب في السجن، أم مطاردة، أبناء ممنوعون من التعليم أو السفر. 

وآلة القمع لم تتوقف عند السياسي نفسه بل امتدت إلى أسرته، ثم إلى المتعاطفين معه، ثم إلى متعاطفي المتعاطفين، حتى صار دوّامة لا قرار لها.

المشهد يتكرر: كل من يُصنَّف معارضًا، يجد نفسه أمام دائرة لا نهاية لها من السجن والمنع من الأوراق الرسمية وسحب الجنسيات في الخارج [14].

الحقوقيون وصفوا التعذيب وسوء المعاملة في السجون بأنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية [15].

وفي السياسة الخارجية، لعب النظام على وتر المصالح؛ حتى الدول التي وصفت الانقلاب بالدموي في بدايته مثل تركيا وقطر، عادت لتطبع معه وتغلق الملف الإخواني لصالح مشاريع اقتصادية واستراتيجية [16].

أما الإخوان، فبفعل القمع باتوا كمن يُطلب منهم عبور الجسر قبل أن يصلوا إليه. 

لا أدوات، لا كفاءات إدارية متخصصة، لا معلومات دقيقة عن الداخل. النتيجة أنهم غدوا كالأعمى التائه في الصحراء بلا دليل.

إذن، من جهة نظام يشيطن ويقمع ويخشى الاعتراف، ومن جهة جماعة مُستنزفة ومُكبلة بلا أدوات، يصبح من العبث الكلام عن مصالحة. فالسياسة عند الطرفين تحولت إلى معادلة صفرية مغلقة، نتيجتها الوحيدة: استمرار القطيعة والصدام.

الشق الاقتصادي

باتت مصر كقنبلة اقتصادية فاشلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت. فقد تضاعف الدين الخارجي عشرات المرات؛ إذ تجاوز 165 مليار دولار في 2024 مقارنة بنحو 43 مليار فقط عام 2013 بحسب بيانات البنك الدولي وصندوق النقد [17]. ومع الدين تضخم العجز في الموازنة، واندفع النظام لبيع أصول الدولة، من جزيرتي تيران وصنافير إلى صفقة رأس الحكمة، إلى بيع قطاعات استراتيجية وحيوية لدول أخرى.

وزادت الطين بلة صفقات الغاز مع إسرائيل، التي صيغت بشروط من أضعف ما يكون في العالم، لتتحول مصر من دولة منتجة إلى مستورد للغاز بشروط مرهقة [18]. ومع هذا الانحدار، بقي التضخم متصاعدًا، وهربت رؤوس الأموال للخارج، وانهارت الثقة في السوق المحلي.

ولم يتوقف الفساد عند حدود الصفقات، بل امتد إلى تهريب الآثار: 160 ألف قطعة أثرية ضُبطت في ميناء إيطالي خرجت من مصر في حاوية دبلوماسية مرتبطة بوزارة الدفاع [19]. كذلك تحدّثت تقارير عن شحن طائرات محمّلة بالذهب للخارج في ظروف غامضة، بما يعكس حجم الفوضى المالية والتهريب.

في المقابل، واصل النظام البذخ: بناء قصور رئاسية فارهة، وعاصمة إدارية جديدة، وخطوط قطارات تخدم رجال الأعمال، بينما يعيش المواطن في فقر متزايد.

هذا الانهيار الاقتصادي المبني على شبكة فساد ممنهج يجعل من المستحيل عمليًا عودة الإخوان للمشهد عبر مصالحة. فالنظام يحتاج بُعدهم عن الاقتصاد ليحملهم فشله، ويقدّمهم ككبش فداء أمام الرأي العام. أما الإخوان، فإن دخولهم في "شراكة إصلاحية" مع هذا الفساد سيكون انتحارًا لسمعتهم. فالجماعة بنت رصيدها الاجتماعي على النزاهة والشفافية، وهو ما أقرّت به أجهزة الدولة نفسها. فقد صرّح الجهاز المركزي للمحاسبات أن الرئيس الراحل محمد مرسي لم يتقاضَ راتبًا ولا أي امتيازات مالية طوال ما يقرب من عام حكمه [20].

إذن، لا النظام يقبل بعودة الإخوان لمشهد اقتصادي يفضح فساده، ولا الإخوان يقبلون بأن يكونوا واجهة تلميع لهذا الفشل الممنهج. وهكذا يصبح الملف الاقتصادي قاطعًا في استحالة أي صلح؛ لأنه صلحٌ مع منظومة فساد شاملة، لا مع دولة طبيعية.

الشق الاجتماعي

لم تترك سلطة الانقلاب العسكري حجرًا على حجر في البناء الاجتماعي المصري؛ فازدادت الهوة الطبقية اتساعًا، وتآكلت الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل صمام الأمان لأي مجتمع. ارتفعت معدلات الفقر حتى تجاوزت 30% رسميًا [21]، بينما تقديرات أخرى تشير إلى أن أكثر من 90% من المصريين يعيشون على حافة الفقر ونقص الخدمات وغلاء الأسعار [22].

في المقابل، ظهرت على السطح مجتمعات الكمبوند المعزولة، التي يعيش فيها "شعب إيجبت" الغني، منفصلًا عن "شعب مصر" الفقير. هذه الطبقة الجديدة من رجال الأعمال وشبكات المصالح لن تقبل بعودة الإخوان إلى المشهد الاجتماعي؛ لأن وجودهم يعني إعادة تمكين الطبقة الوسطى الثورية، التي تهدّد امتيازات الأثرياء ومكانتهم في الهرم الاجتماعي.

السلطة نفسها تحوّلت إلى طبقة مغلقة، مكوّنة من الجيش والشرطة والقضاء وأذرعها البيروقراطية. 

وصارت تُقدَّم على أنها طبقة "الأسياد"، في مقابل باقي الشعب الذي يُعامل كـ"عبيد". في ظل هذا الواقع، يستحيل أن يقبل النظام بعودة جماعة شعبية إصلاحية مثل الإخوان؛ لأن مجرد وجودهم يُذكّر الناس بفكرة العدالة الاجتماعية، ويهدد هندسة "المجتمع الطبقي" الجديد.

أما الإخوان أنفسهم فلن يقبلوا أن يكونوا ظهيرًا لجرائم اجتماعية مورست عمدًا ضد الشعب كعقاب له على ثورته ضد الظلم. عودة الجماعة إلى المشهد في ظل هذا الانهيار الاجتماعي ستجعلها شريكًا في منظومة لا تمت إلى الإصلاح بصلة، وهو ما يتناقض مع مشروعها الدعوي والتاريخي.

ومن اللائق أدبيًا الاعتراف أن الإخوان لا يمثلون قوى الثورة وحدهم، وإن كانوا الفصيل الأكبر. فهناك السلفيون المعارضون، وهناك اليساريون والليبراليون، فضلًا عن قطاع واسع من الشعب بلا أيديولوجيا. 

ورغم أن بعض هذه القوى أخطأ بالوقوف مع الانقلاب في بدايته، إلا أن رجوع الإخوان اليوم سيُعتبر عند كثير منهم خيانة للثورة، خاصة لدى التيار الشعبي غير المؤدلج، وهو الأكثر عددًا.

إذن، المشهد الاجتماعي لا يوفّر بيئة لأي مصالحة: سلطة طبقية متعالية، وأغنياء محصّنون في كمبونداتهم، وفقير مسحوق يزداد بؤسًا كل يوم، وقوى ثورية ترى أن أي عودة للإخوان في ظل هذا الوضع ليست إلا شرعنةً للطبقية والظلم.

الشق الإعلامي

حملت أبواق السلطة الرابعة أسفارًا من الكذب والتشويه ضد المعارضين في الداخل والخارج، وعلى رأسهم الإخوان. الإعلام الرسمي والخاص الموالي للنظام صاغ سرديته الموحّدة عبر الدراما والبرامج والأخبار، حتى تحولت الأعمال الدرامية إلى وثائق مزيفة تعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر الانقلاب. مسلسل «الاختيار» وأمثاله لم يكن فنًا، بل دعاية ممنهجة لتثبيت رواية الدولة الأمنية وتبرير المذابح والاعتقالات.

ولم يقتصر الأمر على الإعلام، بل جرى توريط المؤسسات الدينية لإضفاء شرعية على هذه السردية. فدار الإفتاء، التي صدر مرسوم رئاسي بوضعها تحت سلطة الرئاسة، تحولت من مرجعية شرعية جامعة إلى أداة سياسية تُخون المعارضين وتُكفّرهم ضمنًا عبر بيانات رسمية وفتاوى مُسيسة. 

بذلك صارت السلطة الدينية والإعلامية متحالفة في إنتاج خطاب واحد يقوم على شيطنة المعارضين وتجريم أي محاولة للحديث عن مصالحة أو عدالة انتقالية.

ومثل هذه المنظومة لن تقبل بعد كل هذا التراكم السردي أن تتراجع أو تسكت حتى عن أضعف التصورات لمصالحة. فجزء كبير من هذه السردية ليس محليًا فقط، بل مدعوم من قوى خارجية لا تريد عودة الإخوان ولو اجتماعيًا، باعتبارهم قوة شعبية تهدد مشاريع الاستقرار الزائف في المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، فإن إعلام المعارضة في الخارج، ومعه إعلام الإخوان، لن يقبلوا أن يُزوَّر التاريخ أو يُطمس دم الضحايا. 

ولن تستطيع الجماعة نفسها، حتى لو أرادت، أن تمنع إعلامها وقواعدها من تذكير الناس بالمذابح والسجون والاختفاء القسري. الإعلام في هذه الحالة يتحول إلى جدار عازل يمنع أي تقارب؛ لأن الطرفين مصممان على التمسك بسرديات متناقضة جذريًا.

هكذا، فإن أي مصالحة سياسية أو اجتماعية تصطدم بحائط الإعلام: نظام صنع سردية مؤسَّسة على الدم والشيطنة، ومعارضة ترى في الصمت خيانة للتاريخ وللشهداء. وبدون إعلام يهيئ الأرضية، تستحيل عمليًا أي مصالحة.

القوى الدولية

لم تعد استحالة المصالحة شأنًا داخليًا فقط، بل إن القوى الدولية الفاعلة تمثل جدارًا صلبًا يمنع حتى مجرد التفكير فيها. فبعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية والكويت، أنفقت عشرات المليارات لدعم الانقلاب العسكري عام 2013 وضمان استقرار النظام الجديد بعيدًا عن أي عودة للإخوان. 

فقد قُدرت قيمة الدعم الخليجي لمصر بعد 2013 بأكثر من 100 مليار دولار في صورة ودائع، منح نفطية، واستثمارات مباشرة، وهو دعم سياسي بقدر ما هو اقتصادي [23]. هذا النفوذ جعل النظام المصري رهينة لهذه القوى، غير قادر على اتخاذ قرار استراتيجي كالمصالحة حتى لو أراد.

إلى جانب ذلك، فإن الولايات المتحدة، التي تعاملت تاريخيًا مع الإخوان كقوة اجتماعية وسياسية، أعادت تقييم موقفها بعد 2013، ومالت إلى اعتبار الجماعة تهديدًا لاستقرار النظام الحليف في مصر أكثر من كونها فرصة ديمقراطية. مقالات أكاديمية أوضحت أن السياسة الأمريكية تجاه الإخوان خضعت بالكامل لمنطق المصالح الأمنية والإقليمية لا لقيم الديمقراطية [24].

أما إسرائيل، فقد رأت في إقصاء الإخوان مكسبًا استراتيجيًا، إذ يضمن لها شريكًا مصريًا ضعيفًا ومنشغلًا بأزماته الداخلية، بعيدًا عن أي محور شعبي أو سني يهدد مشاريعها التوسعية. تقارير عديدة أوضحت أن تل أبيب دعمت مسار ما بعد الانقلاب باعتباره يوفر لها بيئة أكثر أمنًا على حدودها الجنوبية، وصفقات غاز بشروط مريحة [18].

أما جماعة الإخوان نفسها، فلم يعد في يدها أي وسيط دولي محايد يمكن أن يتورط في رعايتها. فالقوى الكبرى لن تخاطر بالدخول في مواجهة مع داعمي النظام الإقليميين أو مع واشنطن وتل أبيب. ومع فقدان الجماعة لنفوذها الدولي بعد 2013، لم يعد لها أي ورقة ضغط خارجية تُجبر النظام على الجلوس معها.

لهذا، فإن غياب الغطاء الدولي ـ بل وتحوله إلى قوة مانعة وضاغطة ـ يجعل المصالحة ليست فقط صعبة بل مستحيلة. فالنظام، مهما ضعف داخليًا، لن يغامر بخسارة الداعمين الخارجيين الذين يقوم عليهم بقاؤه.

التجارب المماثلة

قد يرى البعض أن تجارب دول أخرى تصلح نموذجًا يُحتذى في مصر، لكن التدقيق يكشف الفوارق الجوهرية التي تجعل المصالحة في الحالة المصرية أقرب إلى المستحيل.

في الجزائر، أُتيح للنظام العسكري في مطلع الألفية أن يطلق مبادرة الوئام المدني ثم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية (2005)، والتي سمحت بعودة آلاف المسلحين إلى الحياة المدنية [25]. لكن هذا لم يكن ليحدث لولا أن النظام امتلك إرادة داخلية للإصلاح، ولولا أن وضع الجزائر الاقتصادي كان أقوى بكثير من مصر اليوم؛ فالثروة النفطية وفرت للنظام الجزائري هامش مناورة واسعًا مكنه من شراء الاستقرار. في مصر، غابت الإرادة تمامًا، والاقتصاد غارق في الديون والأزمات، ما يجعل أي مصالحة غير واردة.

أما في تونس، فقد مثّل صعود حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي نموذجًا مختلفًا: شاركت الحركة في العملية السياسية بمرونة، لكن سرعان ما غدر النظام بها بانقلاب 2021 بقيادة قيس سعيد، ليطيح بالحكومة المنتخبة ويقصي النهضة من المشهد [26]. هذه التجربة أوضح مثال على ما يمكن أن ينتظر الإخوان في مصر إن قبلوا بمصالحة شكلية؛ غدر جديد بمجرد أن تسمح الموازين.

أما جنوب أفريقيا، فإن انتقالها التاريخي تم عبر لجنة الحقيقة والمصالحة (1995) [27]. لكن هذا المسار كان ثمرة حركة تحرير مسلحة مدعومة إقليميًا ودوليًا، وهي ظروف غير متوفرة في مصر. فلا الجماعة تمتلك قوة مسلحة تضغط على النظام، ولا هناك إرادة إقليمية لتبنيها.

هكذا، فإن استدعاء التجارب المقارنة لا يفتح بابًا للأمل، بل يؤكد الاستحالة: الجزائر كانت لها إرادة ونفط، تونس كان لها مرونة لكن انتهت إلى الغدر، وجنوب أفريقيا كان لها سلاح ودعم خارجي. أما مصر اليوم، فلا إرادة، ولا اقتصاد، ولا قوة ضغط، ولا حلفاء.

خسائر الطرفين في حالة الصلح

المصالحة ليست مجرد ورقة بيضاء يربح منها الطرفان، بل تحمل خسائر جوهرية تجعل كليهما يتوجس منها.

أولًا: خسائر النظام العسكري

  • سيخسر النظام الدعم الدولي الذي استمده بالأساس من انقلابه على الإسلاميين؛ فالقوى التي موّلته وسندته (الإمارات، السعودية، إسرائيل، الولايات المتحدة) لن تقبل بمصالحة تُعيد الإسلاميين إلى المشهد.
  • سيُضطر للاعتراف بجرائمه الكبرى: مذابح رابعة والنهضة ورمسيس والقائد إبراهيم، وما تبعها من اعتقالات وتعذيب وإعدامات، وهي جرائم وثقتها منظمات دولية كالعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.
  • سيخسر ولاء الطبقة الحاكمة التي بنيت على استبعاد الإخوان واستئصالهم، من الجيش إلى الشرطة إلى القضاء إلى شبكات رجال الأعمال المنتفعة.
  • إعلاميًا، ستنكشف كذبة السردية التي بُنيت طوال عقد، من الأعمال الدرامية مثل الاختيار إلى الحملات المستمرة لتصوير الإخوان كـ«أهل الشر».
  • والأخطر، أنه سيخسر السيطرة المطلقة على الشارع المصري؛ إذ أن وجود الإخوان كقوة نقدية إصلاحية سيُعيد للشعب أداة للمحاسبة والضغط لا يريدها النظام بأي حال.

ثانيًا: خسائر الإخوان المسلمين

  • سيخسرون قطاعًا من التأييد الشعبي خارج الجماعة، خاصة من غير المؤدلجين الذين ضحوا وآمنوا بصلاحيتهم للقيادة، فإذا عادوا بتسوية مع النظام فستُفسَّر كخيانة لدماء الشهداء.
  • سيخسرون ثقة شريحة عريضة من ذوي الضحايا وأصحاب الدماء، من داخل الجماعة وخارجها، الذين لا يرون شيئًا أعظم من دمائهم وتشريدهم ومعاناتهم، ولن يقبلوا أن يُساوَم عليها.
  • داخليًا، سيؤدي الصلح إلى انشقاقات جديدة داخل الجماعة بين من يقبله ومن يرفضه، وستضعف السلطة الإدارية والدعوية بعد عودتها إلى مصر، فلا مركزية ولا قدرة على الحسم.
  • وفوق ذلك كله، لن يأمنوا غدر النظام بهم مرة أخرى؛ فالذاكرة الجمعية للجماعة مليئة بالغدرات من كل عهد: عبد الناصر، السادات، مبارك، والآن السيسي. العودة لنظام لا أمان له ليست عودة إلى العمل، بل إلى فخ جديد.
الخاتمة

لا أملك في النهاية إلا أن أقول: إن الحديث عن مصالحة بين النظام المصري والإخوان، في الوقت الراهن، هو من باب المستحيل.

في المقال السابق، عرضت كل الآراء التي ترى إمكانية حدوث المصالحة وذكرت حججها بشفافية، أما في هذا المقال فقد سردت كل الأصوات التي تعتبرها مستحيلة، وذكرت أسبابها بكل صراحة.

ولا يمكن بأي حال إغفال القوى الثورية من خارج الإخوان، ولا جموع الشعب التي ضحّت من أجل المبادئ بلا انتماءات، ولا دماء الشهداء والمكلومين من ضحايا الانقلاب العسكري، هؤلاء الذين يفضّلون الموت والتحاكم إلى حكم العدل على أن يرضخوا لحكم الفراعنة الجدد وجلاوزتهم، الملطخة أيديهم بالدماء والغارقين في الفساد.

أما ما قد يؤول إليه الأمر لاحقًا فهو مجهول لا يُتَصوَّر إلا في صورة معجزة. فمصر اليوم كقطار سريع بلا مكابح، منطلق في طريقه إلى المجهول، ولا أحد يعرف أين ستكون الصدمة ولا متى تقع الكارثة. وكل ذلك يجري في ظل سائق متهوّر، يتخيّل في جنونه أنه قادر على إيقاف القطار بحكمته، بينما الحقيقة أنه يجرّ البلاد نحو الهاوية.

كلمة أخيرة

قد يختلف الناس في توصيف الواقع أو في تفسير مساراته، لكن المؤكد أن هذا الجيل سيدفع أثمانًا باهظة من الدم والحرية والكرامة. وإن لم يُدرك القادمون بعدُ دروس ما جرى، فسوف تتكرر الكارثة بشكل أفظع. إن أخطر ما في الاستبداد ليس بطشه وحده، بل قدرته على قتل الأمل وتطبيع الظلم في النفوس.

ولذلك فإن المسؤولية الأكبر تقع على الجيل الجديد: أن يعي أن الثورة ليست حدثًا عابرًا، وأن المصالحة الحقيقية ليست مع الحكّام الفاسدين، بل مع ضمائرنا ومع حقنا في العيش بكرامة وعدل. إن مصر لا تحتاج اليوم إلى مساومات على الدم، بل إلى وعي متجدد يعيد للناس ثقتهم بأنفسهم وبأن التغيير قادم لا محالة، مهما طال ليل الاستبداد.

المراجع

[1] Human Rights Watch, "All According to Plan: The Rab'a Massacre and Mass Killings of Protestors in Egypt", 2014. https://www.hrw.org/report/2014/08/19/all-according-plan/raba-massacre-and-mass-killings-protesters-egypt

[2] Amnesty International, "Egypt: A human rights crisis unfolding", 2015. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2015/05/egypt-a-human-rights-crisis-unfolding/

[3] Egyptian Front for Human Rights, "Human Rights in Egypt 2013-2021: A Decade of Repression", 2021.

[4] UNHRC, "UN human rights chief condemns mass death sentences in Egypt", 2014. https://www.ohchr.org/en/statements/2014/03/un-human-rights-chief-condemns-mass-death-sentences-egypt

[5] AP, "Egypt's crackdown widens, targeting families of dissidents abroad", 2023. https://apnews.com/article/egypt-crackdown-dissidents-families-sisi-916c0b39502909403328e3b2e04314c4

[6] صحيح الترمذي، 1421.

[7] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج28.

[8] ابن قدامة، المغني، ج8، ص 553.

[9] Al Arabiya English, "Sisi: I prevented the rise of a religious state in Egypt", 2014. https://english.alarabiya.net/en/News/Middle-East/2014/05/27/Sisi-I-prevented-the-rise-of-a-religious-state-in-Egypt

[10] MTV Lebanon, "The Brotherhood and Sisi: a new political discourse?", 2016. https://www.mtv.com.lb/en/News/Politics/612250/The-Brotherhood-and-Sisi-a-new-political-discourse

[11] Middle East Monitor, "Why is a reconciliation between the Egyptian regime and the Muslim Brotherhood impossible?", 2016. https://www.middleeastmonitor.com/20161028-why-is-a-reconciliation-between-the-egyptian-regime-and-the-muslim-brotherhood-impossible/

[12] Vice, "Sisi Calls Muslim Brotherhood 'Evil' on CBS", 2014. https://www.vice.com/en/article/43a75q/sisi-calls-muslim-brotherhood-evil-on-cbs

[13] U.S. Department of State, "2021 Country Reports on Human Rights Practices: Egypt", 2022.

[14] AP, "Egypt's crackdown on dissidents extends to their families abroad", 2023. https://apnews.com/article/egypt-crackdown-dissidents-families-sisi-916c0b39502909403328e3b2e04314c4

[15] France24, "Egyptian prisons: The torture of political opponents", 2023. https://www.france24.com/en/live-news/20230215-egyptian-prisons-the-torture-of-political-opponents

[16] Foreign Policy, "Egypt and Turkey's Rapprochement Is a Strategic Necessity", 2023. https://foreignpolicy.com/2023/07/26/egypt-turkey-rapprochement-geopolitics-strategic-necessity/

[17] World Bank, "Egypt: Overview", 2024. https://www.worldbank.org/en/country/egypt/overview

[18] Reuters, "Analysis: Egypt's gas imports from Israel a win for both sides", 2018. https://www.reuters.com/article/us-egypt-israel-gas-analysis-idUSKCN1Q311L

[19] La Repubblica, "Egitto, 160mila reperti archeologici in un container diplomatico a Salerno", 2018. https://www.repubblica.it/esteri/2018/06/06/news/egitto_160mila_reperti_archeologici_in_un_container_diplomatico_a_salerno-198305096/

[20] Al Jazeera, "Morsi's salary and benefits revealed by state audit", 2013. https://www.aljazeera.net/archive/2013/6/30/راتب-ومزايا-الرئيس-مرسي-الجهاز-المركزي-للمحاسبات-يفصح

[21] الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، "تقرير بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك"، 2020.

[22] World Bank, "Poverty in Egypt", 2019. https://www.worldbank.org/en/country/egypt/publication/poverty-in-egypt

[23] Chatham House, "Gulf States' Role in Egypt: A Double-Edged Sword", 2020. https://www.chathamhouse.org/2020/03/gulf-states-role-egypt-double-edged-sword

[24] Georgetown Journal of International Affairs, "US-Egypt Relations after the Coup", 2019. https://gjia.georgetown.edu/2019/04/23/us-egypt-relations-after-the-coup/

[25] Roberts, H. (2007). The Islamists and the State in Algeria. Hurst & Company.

[26] International Crisis Group, "The Crisis in Tunisia: A New Beginning?", 2022. https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-africa/tunisia/229-crisis-tunisia-new-beginning

[27] Tutu, D. (1999). No Future Without Forgiveness. Doubleday. 

Is Reconciliation Between the Egyptian Regime and ...
Can the Egyptian Mob and the Muslim Brotherhood Bu...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment