تحرير عبد الله المصرى على الثلاثاء، 25 آب/أغسطس 2026
فئة: مدونات عربية

رواية «الطريق» الفصل الأول: من بين الحجارة

«من رحم الشدة يولد الرجال، وقسوةُ المحن تصقل العزائم.»

طفولةٌ مفقودة
لم يكن (عليّ) يعرف يومها أن بعض البيوت لا تكتفي بأن تأوي أبناءها، بل تترك في أرواحهم ندوبًا تكبر معهم عامًا بعد عام.
كان في العاشرة من عمره فقط؛ صغيرًا بما يكفي ليصدق أن الغد يشبه اليوم، وكبيرًا بما يكفي ليشعر أن شيئًا ما في حياته ليس كما ينبغي.

لا تبدأ الحكايات بالصدفة، ولا تُكتب الأقدار على هامش الراحة؛ فكل أمر مقدر بحكمة، وكل خطوة مسطورة في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
في الزوايا التي يتقاطع فيها صخب الشارع مع صمت الجدران، تُختبر النفوس بصمت مهيب. وهناك، بين بيت متواضع، وحارة تضج بالأطفال، وأب لا يعرف من التربية إلا الصرامة، بدأت حكاية طفل لم يكن يعرف أن الأيام ستضع على كتفيه ما يفوق عمره بكثير.

طفل في العاشرة، يمتلك في عينيه بريقًا يرفض الانكسار، وقدمين تسطران على تراب الحارة سحرًا يحاكي الكبار، وعقلًا أثقلته صرامة أب لا يلين. وسط صراع مكتوم بين شغف يحرقه وقسوة تقيده، كانت طفولته معلقة بين حلم يحلق وواقع يجذبها إلى الأرض.
كيف لصبي في مهد مسيرته أن يحمل على عاتقه أحلام طفل وقوة قائد؟ وكيف للمرارة التي تسللت إلى روحه أن تصوغ منه بطلًا لقصة ستغير مجرى الأيام؟

بيتٌ بين الدفء والرهبة
في بيت متواضع تتسلل إليه رائحة الشاي المغلي مع أصوات الباعة في الشارع، نشأ (عليّ)، الولد الأكبر في أسرة فقيرة.
عشر سنوات فقط، لكنه كان يحمل عقلًا أوسع من عمره، وروحًا تسبق سنه بخطوات.
كانت الساحة أمام المنزل مملكته. هناك، كان يلتف الصغار حوله لمشاهدة مهاراته المبهرة في كرة القدم. حتى من لا يفهم اللعبة، كان يقف مشدوهًا أمام حركاته السريعة، وتمريراته الدقيقة، وأهدافه التي كان يسجلها بثقة أكبر من عمره.

في ذلك اليوم، كانت (صفاء)، أمه، الست المصرية الأصيلة، تفتح باب الشقة لاستقبال أخواتها وبناتهن وأولادهن.
قالت بابتسامة رغم التعب:
— أهلًا وسهلًا يا بنات... البيت نوّر والله!
دخلت البنات ومعهن صينية حلويات بسيطة، بينما اندفع الأطفال إلى الداخل، يملأون البيت ضجيجًا وحركة.
ركضت (سلمى)، أخت (عليّ) الصغيرة ذات الخمس سنوات، لتتشبث (بصفاء) وهي تهتف:
— ماما! جت (مروة)! جت مروة!
ضحكت (صفاء) وربتت على شعرها:
— يلا يا بنتي، خلي البيت يتهنّى بيكم.

وفي ناحية أخرى من الصالة، جلس (متولي)، الأب، عابس الوجه، يتأمل المشهد ويراقبه بفتور.
قال بصوت منخفض، لكنه مسموع:
— العيال دي كلها بتلعب كده، ومحدش بيفكر يعلمهم حاجة عدلة.
تنهدت (صفاء)، وحاولت أن تتجاوز سخريته:
— سيبهم يا متولي يفرحوا شوية... الدنيا مش كلها شد.
هز رأسه دون رد.

أرضُ الأحلام
وبعد لحظات، اندفع الأطفال إلى الساحة أمام البيت، وهناك بدأ المشهد الحقيقي.
تحولت الساحة الصغيرة إلى ملعب لا يعترف بحدوده أحد.
أولاد وبنات الخالة، ومعهم بعض أطفال الحارة، التفوا حول (عليّ)، الذي أمسك الكرة وبدأ يوزع الأدوار كأنه قائد فريق محترف.

قال بجدية تفوق عمره:
— (مروان)، أنت في الهجوم. (خديجة)، خليكِ هنا واحرسي المنطقة دي. يلا يا سلمى، العبي جنبي وأنا أعلمك تمرري الكرة.
ضحك (مروان)، ابن الخالة:
— إيه يا كابتن! هو إحنا في ماتش دوري أبطال؟
رفع (عليّ) حاجبه، وقال بحزم وبريق في عينيه:
— آه! وإحنا اللي هنكسب. واللي هيسمع الكلام هيبقى نجم النهاردة.
ضحك الأطفال، لكنهم انصاعوا لأوامره.

كان غريبًا أن ترى طفلًا في العاشرة يتصرف بهذه الثقة، والأغرب أن ترى الأطفال يقبلون قيادته دون اعتراض.
حتى (مروة) الصغيرة، التي بالكاد تحبو بثبات، حملت الكرة لفترة قصيرة تحت إشرافه، وسط ضحكات الباقين.
كان واضحًا أن شخصيته القوية واحترام الأطفال له أكبر من سنه بكثير.
وفي زاوية الساحة، جلست البنات يتبادلن الهمسات، بينما راح الأولاد يتبارون في التمريرات السريعة.
كان الجو مليئًا بالحياة.

حين انطفأت الضحكات
لكن خلف ذلك الصخب، كان (عليّ) يخفي حزنًا عميقًا لم يكن أحد يراه.
فجأة، توقف عن اللعب.
رفع عينيه نحو البيت.
كان أبوه يقف خلف النافذة ويراقبه بوجه جامد.
ثم جاء الصوت من بعيد، غليظًا وحاسمًا:
— (عليّ!) كفاية لعب، تعالى احفظ اللي قلت لك عليه!
انخفض صوت الساحة فجأة.
التفتت أعين الأطفال إليه.

ظل (عليّ) واقفًا لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— كملوا أنتم... القائد هيرجع.
ثم ركض إلى البيت.
كان قلبه يخفق وهو يصعد الدرج، ولم يكن يعرف هل يخشى غضب أبيه، أم يخشى أكثر أن يفقد شيئًا يحبه.

كتابان
دخل الغرفة، فوجد أباه ممسكًا بكتاب مليء بالأدعية الصوفية، يشير إليه بصرامة.
— اقعد. لازم تتعلم. ده الطريق اللي يمشيك للخير.
جلس (عليّ)، لكنه ظل لحظات صامتًا، ثم قال بصوت خافت:
— بابا... أنا عايز أحفظ القرآن الأول.
تغيّر وجه (متولي).
اشتعل الغضب في عينيه.
— إنت بتجادلني يا ولد؟! أنا عارف مصلحتك أكتر منك!
دخلت (صفاء) مسرعة، تحاول تهدئة الجو:
— متولي... هو لسه عيل صغير، سيبه يتعلم القرآن.
التفت إليها بعصبية:
— إنتِ تسكتي خالص! الولد ده لازم يعرف الطريق من دلوقتي.
ساد الصمت.

ما وراء النافذة
جلس (عليّ) في مكانه، يحدق في الأرض.
ومن خلف النافذة، كانت أصوات الأطفال تصل إليه من بعيد؛ ضحكاتهم، وصوت الكرة وهي ترتطم بالأرض، ونداءات اللعب.
كان كل شيء قريبًا منه...
لكنه شعر، للمرة الأولى، أنه بعيد عن كل شيء.
لم يكن يعرف يومها أن هذه اللحظات الصغيرة، التي مرت عليه كأنها أيام عادية من طفولته، ستصبح بعد سنوات أبعد ما يكون عن العادية.

لم يكن يعرف أن البيت الذي ضم طفولته، بما فيه من دفء وقسوة، سيترك في نفسه آثارًا لن تزول بسهولة.
ولم يكن يعرف أن الطريق الذي بدأ بخطوات طفل صغير بين البيت والكتاب والشارع، سيأخذه إلى أماكن لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليها.
أغلق (عليّ) الكتاب، لكنه لم يغلق معه الأسئلة التي بدأت تكبر في داخله.

عاد صوت الأطفال إلى الساحة، وعادت الكرة ترتطم بالأرض، وعادت الضحكات كما كانت...
أما هو، فظل جالسًا في مكانه، كأنه ترك شيئًا من طفولته خلف الباب ولم يستطع استعادته.
رفع عينيه نحو أبيه، ثم نحو النافذة التي كان يتسلل منها ضوء المساء.
لم يكن يعلم أيهما سيكون أقسى عليه: ما يريده أبوه منه، أم ما يريده هو لنفسه.

معالمُ الطريق
في تلك الليلة، نام (عليّ) دون أن يعرف أن الأيام القادمة تحمل له من الأسئلة أكثر مما تحمل من الإجابات.
كان لا يزال طفلًا...
وكان الطريق أمامه طويلًا، تتخلله أيام لا يدري ما تخبئه له، وليالٍ ستترك في ذاكرته أشياء لن ينساها.
ولم يكن يعلم يومها إلى أين ستقوده خطواته الأولى، ولا أيَّ وجهٍ ستتخذه الحياة حين يكبر قليلًا...
كل ما كان يعرفه أنه ما زال في بداية الطريق.

اترك تعليقاتك