رمضان ليس صفحة عابرة في سِفر الأيام، ولا موسمًا مؤقتًا للدموع والخشوع، ثم الفتور والنسيان، بل هو مدرسة العام، وميدان التربية الكبرى، ومختبر الصدق في العبودية. فيه تُصاغ القلوب، وتُعاد هندسة النفوس، وتُراجع المسارات، وتُبنى العادات التي يُفترض أن تمتد مع الإنسان بقية عمره.
الغاية الأسمى
إن الهدف الجوهري من فرضية الصيام هو الوصول إلى مقام "التقوى" بمفهومها الشامل، وهي حالة إيمانية مستمرة لا تنقضي بانقضاء الشهر، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. ويؤكد الإمام ابن كثير هذا المعنى بقوله: "الصيام يطهر البدن ويضيق مسالك الشيطان، ولهذا قيل: إنه سبب للتقوى؛ لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات" (1).
تغيير الذات
بعد بضعِ أيّامٍ وليالٍ من رمضان، ها أنت قد ذُقت شيئًا من حلاوة القرب، وانتقلت من طاعة إلى طاعة؛ صلاةٍ تخشع فيها الجوارح، ودعاءٍ يرقّ فيه القلب. لقد تغيّر شيء في داخلك، ولو يسيرًا، فشعرت أن الطريق إلى الله أقرب مما كنت تظن، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ..." [متفق عليه] (2). وقد لخص الحافظ ابن رجب هذا الشعور بقوله: "إنما يستنشق ريح الجنة في الدنيا من وجد حلاوة الإيمان في قلبه" (3).
شرط القبول
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح من الآن: كيف ستكون بعد رمضان؟ إن الاستمرار على الطاعة بعد رمضان هو البرهان الساطع على قبول العمل في الشهر الكريم، ولهذا سُئل بشر الحافي عن قوم يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ رمضان تركوا، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها" (4). ويضيف الحسن البصري: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت"، ثم قرأ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (5).
تربية الإرادة
رمضان مدرسة، وهو دورة مكثّفة في تزكية النفس، وتصحيح المسار، وتربية الإرادة على الصبر والانضباط. فمن خرج منه خيرًا مما دخل، فقد تخرج من مدرسة الإيمان بمنهج أوضح، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحماية بقوله: "الصَّوْمُ جُنَّةٌ" [متفق عليه] (6). ويوضح ابن القيم هذا الأثر التربوي بقوله: "للصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة" (7).
ديمومة العمل
لا ترضَ لنفسك أن تكون عبد موسم، بل كن عبدًا للرب في كل حين. اثبت على ما استطعت، ولو بالقليل؛ فالمداومة هي أحب الصفات إلى الله، كما جاء في الحديث: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" [متفق عليه] (8). وقد كان ديدن آل محمد صلى الله عليه وسلم أن عملهم "ديمة"، أي مستمرًا كالمطر الدائم الذي لا ينقطع (9).
الهوامش والمراجع:
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص497.
(2) صحيح البخاري، رقم (16)، صحيح مسلم، رقم (43).
(3) ابن رجب الحنبلي، فتح الباري، ج1، ص48.
(4) أبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء، ج8، ص346.
(5) لطائف المعارف لابن رجب، ص222.
(6) صحيح البخاري، رقم (1894).
(7) ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ج2، ص27.
(8) صحيح البخاري، رقم (6464)، صحيح مسلم، رقم (783).
(9) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم.
تعليقات